هل كان "اغتصاب" أوكرانيا حتميًا؟

منذ بعضٍ من الوقت وبوتين يستخدم "لغةً جنسية" عنيفة لدى الإشارة إلى أوكرانيا، يهاجمها الفيلسوف والناقد الثقافي السلوفيني سلافوي جيجك في هذه المقالة.

Image Credit: Charles Platiau /POOL/AFP via Getty Images
نص المقالة الأصلية: "Was Russia's 'Rape' of Ukraine Inevitable" ترجمة: مهيار ديب
أشار فلاديمير بوتين، في مؤتمر صحفي في وقت سابق من الشهر الحالي، إلى أنَّ الحكومة الأوكرانية لم يعجبها اتفاق مينسك، وأضاف: "أعجبكِ أم لم يعجبكِ، يبقى ذلك واجبك، يا حلوتي". لهذه العبارة مضامين جنسية معروفة. فمن الواضح أنَّ بوتين يقتبس من أغنية "الجميلة نائمة في كفن" لفرقة البانك روك المسماة "كراسنايا بليسين" أو "العفن الأحمر" والتي تعود إلى الحقبة السوفييتية: "الجميلة نائمة في كفن، حبوت وجامعتها. أعجبكِ أم لم يعجبكِ، نامي يا حلوتي". بصرف النظر عن زعم الناطق باسم الكرملين أنَّ بوتين كان يشير إلى تعبير فلكلوري قديم، تبقى الإشارة إلى أوكرانيا بوصفها موضوعًا جنسيًا مرتبطًا بوطء الجثث والاغتصاب أمرًا بيّنًا . وقبل ذلك، في عام 2002 ، أجاب بوتين عن سؤال صحفي غربي بالقول: "إذا أردت أن تصبح متطرفًا إسلاميًا حقًا ومستعدًا للختان، فأنا أدعوك إلى موسكو. نحن دولة متعددة المذاهب. ولدينا متخصصون في هذا الأمر [الختان]. سأوصيهم بأن يجروا لك العملية بحيث لا ينمو لك أيّ شيء بعدها". وهذا تهديد بذيء بالإخصاء. لا عجب أنَّ بوتين وترامب أصحاب بالبذاءة. والحجة المضادة التي كثيرًا ما نسمعها هنا هي أنَّ سياسيين مثل ترامب وبوتين يقولون على الملأ ما يعنونه ويتحاشون الرياء. بيد أنّي أقف، هنا تحديدًا، مع الرياء قلبًا وقالبًا: الشكل (شكل الرياء) ليس مجرّد شكل مطلقًا، بل جزء من المحتوى، إلى درجة أننا حين نُسقط الشكل، نجرّد المحتوى ذاته من إنسانيته. لا بدَّ من قراءة إشارة بوتين الفاضحة على خلفية الأزمة الأوكرانية المطروحة في إعلامنا على أنّها تهديد "باغتصاب بلد جميل". لا تخلو هذه الأزمة من جوانبها الهزلية. وهذا دليل على جدّيتها وخطورتها، في عالم اليوم المقلوب رأسًا على عقب. وقد لفت المحلل السياسي السلوفيني بوريس تشيبي الانتباه إلى الطابع الهزلي للتوترات المتعلقة بأوكرانيا بداية هذا العام، بقوله: "أولئك الذين من المتوقع أن يهاجموا [أي الروس] يزعمون أن لا نيّة لهم بذلك، وأولئك الذين يتصرفون كما لو أنهم يريدون تهدئة الأمور يصرّون على أنّ المعركة حتمية". يمكن أن نزيد هنا ونقول: في الأسابيع القليلة الماضية، حذرت الولايات المتحدة، حامية حمى أوكرانيا، من أنَّ الحرب يمكن أن تندلع في أي لحظة، بينما حذّر رئيس أوكرانيا، الضحية المتوقعة  للهجوم الروسي، من هستيريا الحرب ودعا إلى التهدئة.
ماذا لو كان هذا الصراع خطيرًا للغاية، لا لأنه يعكس القوة المتنامية لدى القوتين العظميين السابقتين، بل لأنّه يثبت عجزهما عن قبول حقيقة أنهما لم تعودا قوتين عالميتين؟
من السهل ترجمة هذا المشهد على أنّه مشهد اغتصاب. فروسيا، المستعدة لاغتصاب أوكرانيا، تدعي عدم الرغبة في القيام بذلك، لكنّها توضح ما بين السطور أنّها مستعدة لاقتراف الاغتصاب إن لم تنل قبول أوكرانيا الجنسي (لنتذكّر هنا ردَّ بوتين البذيء). كما أنَّ روسيا تتهم أوكرانيا باستفزازها لارتكاب هذا الاغتصاب. تدقّ الولايات المتحدة التي تريد حماية أوكرانيا من الاغتصاب، ناقوس الخطر تحذيرًا من التهديد الوشيك بالاغتصاب كي يمكنها أن تؤكّد أنّها حامية الدول ما بعد السوفييتية. لكنّ هذه الحماية لا تكفّ عن تذكيرنا بشقيّ محلي يعرض "الحماية" من السرقات المحتملة على محلات البقالة والمطاعم في منطقته، مع تهديد مستتر بأنها إذا رفضت حمايته، قد يحدث لها شيء ما. تحاول أوكرانيا، المستهدفة بالتهديد بالاغتصاب، التزام الهدوء هلعةً لسماع نواقيس الخطر الأميركية، ومدركةً أنَّ الضجة بشأن الاغتصاب يمكن أن تدفع روسيا إلى ارتكابه بالفعل. إذن، ما الذي يكمن وراء هذا الصراع بكل مخاطره التي يصعب التنبّؤ بها؟ ماذا لو كان هذا الصراع خطيرًا للغاية، لا لأنه يعكس القوة المتنامية لدى القوتين العظميين السابقتين، بل على العكس، لأنّه يثبت عجزهما عن قبول حقيقة أنهما لم تعودا قوتين عالميتين حقيقيتين؟ في ذروة الحرب الباردة، قال ماو تسي تونغ إنَّ الولايات المتحدة، بكلّ أسلحتها، نمر من ورق. لكنه نسي أن يضيف أن النمور الورقية يمكن أن تكون أشدّ خطرًا من النمور الحقيقية الواثقة من نفسها. ليس الفشل الذريع المتمثّل بالانسحاب من أفغانستان سوى آخر ضربة في سلسلة من الضربات التي لحقت بتفوّق الولايات المتحدة. وليست محاولة روسيا إعادة بناء الإمبراطورية السوفيتية سوى محاولة يائسة للتغطية على حقيقة أن روسيا الآن دولة ضعيفة في انحدار. وكما هو الحال أيضًا  مع المغتصبين الفعليين، فإنَّ حالات الاغتصاب تشير إلى عنانة المعتدي . أصبحت هذه العنانة محسوسة الآن بعدما بدأ فعل الاغتصاب مع أول إيلاج للجيش الروسي في أوكرانيا، إذا ما استبعدنا الدور القذر لمجموعة "فاغنر"، وهي شركة عسكرية خاصة أدّى المتعاقدون معها أدوارًا في نزاعات متنوعة، من بينها عمليات في الحرب الأهلية السورية، وفي القرم، وفي أفريقيا الوسطى وجمهورية صرب البوسنة (Republika Srpska). وهذه المجموعة من المرتزقة المجهولين الذين هم وحدة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع الروسية تستخدمها الحكومة الروسية في النزاعات التي تحتاج إلى قابلية للإنكار، عملت لسنوات في الدونباس، ونظمت المقاومة "العفوية" ضد أوكرانيا (كما فعلت من قبل في القرم). يجب أن نعي جميعًا، نحن الذين ننتمي إلى البلدان التي عليها أن تشهد اغتصاب أوكرانيا، أنَّ إخصاءً حقيقيًا فحسب هو الذي يمكن أن يمنع الاغتصاب. ولذلك يجب أن نوصي بأن يجري المجتمع الدولي عملية إخصاء لروسيا، متجاهلًا ومهمِّشًا إياها قدر الإمكان، بحيث يتأكّد أنَّ لا شيء من سلطتها العالمية سوف ينمو بعد ذلك.   * لا تعبر المقالة بالضرورة عن رأي الموقع أو المترجم
الأثرياء الجدد: "وحيد القرن الرمادي" لسوريا 2023

 الافتراض الشائع بأن الفقر هو سبب أساسي لعدم الاستقرار السياسي في سوريا صحيح. لكن ذلك مرهون بالأدوات..

رشا سيروب
لقاء موسكو من زاوية أخرى: طهران في صف "قسد"؟

من المرجح أن تحمل الأيام المقبلة أخبارًا عن لقاءات تركية-إيرانية. ولعل مصلحة "قسد" تكمن اليوم بالتواصل..

ريزان حدو
الإمبراطور المؤدلج.. رأسه أو الحرب

على الأغلب أن الأميركيين هم خلف حملة تحريض النخبة الصينية وبث الخوف لدى الرئيس الصيني "شي"، ليتجه نحو..

حسام مطر

اقرأ/ي أيضاً