المحرومون من الرعاية الصحية في لبنان

يحتاج حوالي مليوني شخص في لبنان إلى خدمات صحية إنسانية في العام 2022 في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشكل العائق الأكبر أمام الحصول على الرعاية الضرورية.

سيخسر مروان غنّام، وهو من سكّان مخيّم برج البراجنة جنوبي بيروت، قدمه اليمنى في حال لم يتمكّن من إجراء عمليّة جراحيّة فيها تكلّف نحو 12 ألف دولار أميركيّ. بدأت قصّة مروان عام 2011 إثر حادث تعرّض له وأدّى إلى التهاب في شرايين القدم وتورّم فيها. ولا يزال مروان، حتّى اللحظة، يعاني من ألم شديد في قدمه، كما أنه غير قادر على استخدامها للوقوف أو المشي لأكثر من عشر دقائق، وسيتعيّن عليه وضع شرايين اصطناعيّة فيها حتّى لا يفقدها. تشكّل قصّة مروان هذه واحدة من قصص كثيرة في لبنان، لآلاف الذين يحتاجون إلى رعاية صحيّة ويعجزون عن تأمين نفقاتها.

يحتاج 1,95 مليون شخص في لبنان إلى خدمات صحيّة إنسانيّة في العام 2022، وفق دراسة أطلقها مكتب الأمم المتّحدّة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة في نيسان/أبريل الماضي. وقد زاد عدد من هم بحاجة إلى رعاية صحيّة بنسبة 43% عن العام 2021 كما تُبيّن الدراسة التي تحمل عنوان "ازدياد الحاجات الإنسانيّة في لبنان". ولا يشمل هذا العدد النازحين السوريّين المقيمين في البلد، علمًا بأنّ 60% من العائلات السوريّة أقرّت بأنّ فردًا واحدًا منها على الأقل يحتاج إلى رعاية صحّيّة أوليّة، وفق دراسة ثانية شاركت فيها "اليونسيف" و"برنامج الغذاء العالميّ" و"المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

تشير هذه الأرقام إلى سوء حال الرعاية الصحّيّة في لبنان، ومنها الرعاية الصحيّة الأوليّة، خصوصًا في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الخانقة. وتتحدّث الدراستان المذكورتان عن أسباب مادّيّة تحول دون حصول الأشخاص على الرعاية الصحّيّة المطلوبة، بالإضافة إلى عدم معرفتهم بالمراكز التي تقدّم لهم الخدمات التي يحتاجونها.

تقول د. رندا حمادة، مديرة الرعايّة الصحّيّة الأوليّة في وزارة الصحّة اللبنانيّة لـ"أوان"، إنّ الرعاية الصحّيّة الأوليّة تعدّ المدخل الأساسيّ للنظام الصحّيّ في أيّ بلد، فهي تتضمن الخدمات الصحّيّة الوقائيّة والعلاجيّة للمواطنين بتكاليف مجانيّة أو شبه مجانيّة، لقاء خدمة عالية الجودة ويسهل الوصول إليها. إذًًا، تشترط الرعاية الصحيّة الأوليّة أساسًا أن يكون الوصول إليها سهلًا، في حين يصعب على نحو مليوني شخص في لبنان هذا العام الحصول عليها بسهولة.

يرى مروان أنّ "حالة الفقير لا تسمح له بإجراء عمليّة جراحيّة في لبنان". وهو، في هذا السياق، يشرح أسباب اقتصار علاج حالته على المضادّات الحيويّة بدلًا من إجراء عمليّة جراحيّة. وقد لجأ مروان إلى "مفوضيّة الأمم المتحدّة لشؤون اللاجئين" منذ العام 2013، لكنه لم يتمكن من الحصول على مساعدة تُذكر. إذ كانت الأخيرة تطلب منه صورًا متعدّدة تطهر حالة قدمه، وكان يضطر إلى الاستدانة لكي يتمكّن من تغطية نفقاتها. ووفق مروان، بلغت قيمة الاستدانة حتّى الآن 30 مليون ليرة لبنانيّة، في حين لم يتمكن من تأمين أيّ مبلغ يغطّي ولو جانبًا بسيطًا من قيمة العمليّة. 

في لبنان 262 مركز رعاية صحّيّة أوليّة وفق د.حمادة، 67% منها بالتعاقد مع القطاع الأهليّ من هيئات صحّيّة محليّة وجمعيّات أهليّة. لا يمنع ذلك تبعيّة مراكز عدّة للأحزاب اللبنانيّة، كما تقول حمادة، لكنّ "الشرط الأساسيّ في العقد يتمثل بوجوب تقديم الخدمات لجميع الناس". غير أن ذلك قد يعني أنّ السلطة في تلك المراكز لا تتوقّف عند وزارة الصحّة اللبنانيّة بالضرورة، بل تتعدّاها إلى سلطة الأحزاب في المناطق، وقد تكون هذه إحدى مشكلات قطاع الرعاية الصحّية في لبنان. وبالفعل، فإنّ سببًا كهذا يمنع رباب، أستاذة التعليم الرسميّ، من زيارة المستوصف (مركز الرعاية الأوّليّة) في منطقتها في البقاع الغربيّ، إذ إن تبعيّته لحزب بعينه يدفعها إلى الإحجام عن التردد إلى المركز، وزيارة مستوصف بديل في منطقة بعيدة عنها عوضًا عن ذلك. 

تقدّم مراكز الرعاية الصحيّة الأوّليّة خمس خدمات، هي طبّ العائلة، وطبّ الأطفال، والطبّ النسائيّ، وطبّ القلب والشرايين، وطبّ الأسنان. تضاف إلى ذلك خدمات أخرى بحسب الحاجة في المناطق. وتقدّم وزارة الصحّة - مجّانًا - الأدوية الأساسيّة إلى تلك المراكز من أدوية التهابات وسعال وحساسيّة، فضلًا عن أمراض السكريّ وغيرها من الأمراض المزمنة، لكن سقف الرعاية الصحّية لا يشمل تحته الأمراض السرطانيّة. 

ومن ضمن خدمات الرعاية تلقيحُ الأطفال. إذ يتوافر 11 لقاحًا في المراكز الصحّيّة، تُقدَّم مجانًا من قبلها، كما يقدمها 150 طبيبًا للأطفال تتعامل معهم وزارة الصحّة اللبنانيّة. يُضاف إلى ذلك متابعة المرأة الحامل في المراكز الصحيّة لتقليص الضغط على المستشفيات، ومتابعة مرضى السكريّ والضغط والشرايين لتوفير أيّ مضاعفات محتملة على المرضى ولتخفيف الأعباء الماليّة والتشغيليّة على المستشفيات لاحقًا.

وبرغم وجود تلك المراكز، فإن حاجة نحو مليون و900 ألف شخص إلى رعاية صحّية ينذر بوجود مأزق صحّيّ في لبنان. 1,8 مليون من هذا العدد هم من اللبنانيّين، و65 ألفًا هم مهاجرون أجانب، يقدّر أنّ معظمهم من العمّال، بالإضافة إلى 85 ألف فلسطينيّ من المخيّمات. ويشكّل الأشخاص في سنّ الرشد أكثر من نصف عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية صحيّة في لبنان (نحو 53%)، في حين تسجّل نسبة الأطفال 33% ونسبة كبار السنّ 14%.

وبرغم دور الأزمة الاقتصاديّة في فرض تحدّيّاتٍ ماليّة على الناس وحيلولتِها دون وصول الكثير منهم إلى الرعاية الصحّية، فإن النظام الصحّي اللبناني يعاني من مشكلات بنيويّة كما تقول حمادة، إذ إنه موجّه نحو الاستشفاء بشكل كبير، أي أنّه يركّز الدعم على المستشفيات وفق محاصصات سياسيّة وحزبيّة. وتشير حمادة إلى أنّ 3% من موازنة وزارة الصحّة الصحّيّة تذهب إلى الرعاية الصحّيّة الأوّليّة، في حين أنّ الباقي يُخصّص للاستشفاء. وهذا، بحسب حمادة، ما جعل لبنان "يسقط في امتحانه أمام كورونا". إذ عند أوّل ضربة، خسر النظام الصحّي كثيرًا، بحيث استنزف النظام الاستشفائيّ في الوقت الذي كان يمكن التعامل مع 70-80% من حالات الإصابة بفيروس "كورونا" في المراكز الصحّيّة الأوّليّة. 

وتظهر الصعوبات المادّيّة كعائق أمام الرعاية الصحّيّة الشاملة أو الأوّليّة في قصّة مروان، إذ إن الأخير لجأ إلى الجمعيّات الإنسانيّة لتأمين أيّ مبلغ يسدّ ثمن العمليّة الجراحيّة التي يحتاجها. وما زاد الأمر تعقيدًا، أنّ مفوضيّة الأمم المتحدة رفضت طلب السفر الذي قدّمه مروان بسبب وضعه الصحّيّ. فأصبحت حالته هذه إعاقة لسفره وللعيش بشكل طبيعيّ في ظلّ أزمة اقتصاديّة خانقة. 

وتقسّم دراسة مكتب الأمم المتّحدّة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية صحّيّة شاملة على الأقضية المختلفة في لبنان. إذ يحظى قضاء عكّار بالعدد الأكبر منهم (238,329 شخصًا)، يتبعه قضاء المتن (حيث يوجد 142,960 شخصًا)، وقضاء بعبدا (بعدد 137,134 شخصًا). وتصنّف الدراسة 19 قضاء من أصل 26 في لبنان يقعون في درجة شديدة الخطورة على الصعيد الصّحّي، في حين ترزح الأقضية المتبقيّة تحت درجة خطرة.

وبحسب الدراسة نفسها، فإنّ المهاجرين الذين يحتاجون إلى رعاية صحيّة (يفوق عددهم 65 ألفًا) هم من فئات عمريّة شابّة، ومعظمهم من النساء والفتيات. وتشكّل هذه الفئات العمريّة 58% من العدد الإجمالي، أي ما يقارب 38 ألف شخص، في حين أنّ كبار السنّ يشكّلون نسبة 3% فقط، وتشكّل الأسر ذات الأمراض غير المعدية نسبة 13%. وفي بيروت وحدها، 27342 شخصًا مهاجرًا بحاجة إلى رعاية صحيّة، و5,948 شخصا في قضاء المتن، و4,474 شخصًا في قضاء عاليه.

تطرح هذه الأرقام دور مراكز الرعاية الصحّيّة في المناطق وقدرة الناس على الوصول إليها أو المعرفة بوجودها أو بالخدمات الصحّيّة التي تقدّمها. ومن أجل رعاية صحيّة أفضل، تقول حمادة إنّ التركيز يجب أن ينصبّ على تواجد هذه المراكز والخدمات التي تقدّمها، بالإضافة إلى تطمين الناس على جودة الخدمة فيها لتعزيز ثقتهم بها.

غير أن ذلك لا يعالج المشكلة المتعلقة بالمعوقات المادّيّة، ككلفة النقل إلى مراكز العلاج، التي تحول دون حصول كثر على الرعاية الصحّيّة اللازمة. ما يعني أنّ أزمة النقل وارتفاع أسعار الوقود ستضاعف على الأرجح من فقدان الناس إلى الرعاية الصحّيّة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما ينتج معادلة ماديّة للرعاية الصحّيّة قوامها التالي: لا رعاية صحّيّة - وإن كانت أوليّة - للكثير من الأسر الفقيرة في لبنان.

* أُنجز هذا التقرير بدعم من “صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية” UNDEF ومنظمة “صحافيون من أجل حقوق الإنسان” Journalists for Human Rights.

                                                                    

يوم قتلت الدولة شمالها

تغيب الدولة الراعية عن شمال لبنان، وتحضر سطوتُها الأمنية في شوارع طرابلس، عاصمة هذا الشمال. عند كلّ..

غادة حداد
نساء في مرمى العنف

%7 فقط من النساء اللواتي تعرّضن للعنف قمن بالتبليغ عنه، بينما امتنعت الغالبية العظمى منهن عن ذلك. ما..

فاطمة نعيم
إنجاز المغرب في المونديال: ليس ضربة حظ

يُدرك لاعبو المغرب جيدًا امتلاكهم ناصية منافسة الكبار، وأن ما حققوه، حتى الآن، كما أوردت وسائل إعلام..

محمد حافظ‎‎

اقرأ/ي أيضاً