هل الله مع إسرائيل؟
صحيحٌ أنه لولا المقدّس لما صبر الناس على قسوة العيش وتوقّع الموت في كل لحظة. غير أنّ الدين بوصفه قوة تعبئة يختلف جذريًا عن الدين بوصفه برنامجًا سياسيًا.
صحيحٌ أنه لولا المقدّس لما صبر الناس على قسوة العيش وتوقّع الموت في كل لحظة. غير أنّ الدين بوصفه قوة تعبئة يختلف جذريًا عن الدين بوصفه برنامجًا سياسيًا.
يتربّى المضحّون على النهايات السعيدة حتى تستمرّ الدّافيعة في العطاء والبذل وتتوقّد. في العادة تُقابل فكرة التّضحية بالإثابة، فإن لم يكن حُسنُ الجزاء في الواقع، أُرجئت المسألة إلى الما بعد، إلى الآخرة مثلًا في الأدبيات الدينية، أو إلى أن يصبح الباذل جزءًا من القصص المُلهمة للّاحقين، مّمن لا يجدون خيارًا أمامهم إلا التضحية في مقابل الاستسلام.
المفارقة، عندما تكون التّضحية جزءًا من سردية يقينيّة الطابع، وتكون النهاية السعيدة قاب قوسين أو أدنى "بلا شك"، ويكون هذا اللّاشكّ نابعًا من وعد إلهي غيبي حتميّ النتائج، فإنّ أي نتائج على أرض الواقع معاكسة لما رسمه اليقين ستفتح مباشرةً عدّة أبواب للمساءلة، من ضمنها بطبيعة الحال باب مراجعة اليقين الإلهي نفسه. وهنا، قد يجتهد المأوّلون في إعادة تفسيره، ومن ثمّ إعادة إنتاج الرواية بما لا يتناقض مع المقدّمات السّابقة على المؤدّيات، فإما ينجحون في الإقناع، أو يفشلون، ويُسقطون اليقين الموعود معهم. أمّا إن طابقت النتائج المقدّمات، ازداد اليقين عندها، واستمرّ العمل بمفعوله، وتعاظمت جاذبيته باضطراد.
في محاولة لإسقاط هذه المقّدمة السّريعة على الصراع الدّائر في المنطقة، سيغدو السّؤال الجريء مشروعًا: "هل الله مع إسرائيل"؟ وهو بالمناسبة تساؤلٌ بات يُهمس هنا أوهناك همسًا، أو مزحًا. إنّما دون الهمس والمزح عقولٌ استبدلت اليقين الأيديولوجيّ بالحيرة والشّك، وتلك "فضيلة" الحروب التي يشهد فضاؤها انزياحًا صوب الزاوية الدينية.
بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، استعادت الرواية الإسرائيلية السرديات التوراتية وأسقطتها على الواقع، في تأكيد على إعطاء الصراع الدّائر منذ ولادة الكيان الإسرائيلي طابعًا وجوديًا ذا جذور دينية. ولعلّ "حرب عماليق" هي الاستعارة الأكثر استخدامًا داخل الخطاب السياسي ــــ الديني الإسرائيلي. فقد اعتبر الحاخامات كما نتنياهو والطاقم السياسي اليميني أن "حماس" هي عماليق، العدوّ الأسطوري في التوراة الذي يجب محو ذكره.
وبرزت كذلك استعارات أخرى على طول المسار، من قبيل اعتبار الحرب على غزّة جزءًا من المراحل الأولى من حرب جوج وماجوج التي ستسبق قدوم المسيح اليهودي، أو من مثل إحالتها إلى "معركة جبعون" التي تدخّل فيها الله لإنهاء الصراع، أو تشبيهًا بحروب يشوع بن نون عند دخول أرض كنعان، أو استحضار "سفر القضاة" حيث يخوض بنو إسرائيل معارك وجودية ضد شعوب محيطة معادية.
صورةٌ مماثلة في هذا الفضاء السياسي الديني تجلّت أيضًا من خلال تسمية العمليات العسكرية بأسماء توراتية. إذ إن "سيوف من حديد" تنطوي على حمولة توراتية واضحة، على اعتبار أن كلمة سيف في التوراة تُستخدم لوصف سيف الرب، وتسمية "الأسد الصاعد" للحرب ضد إيران تُحيل إلى رمزية متجذّرة في المخيال الديني اليهودي، حيث يُستخدم الأسد كرمز لقبيلة يهوذا التي خرج منها الملك داوود والمسيّا المُنتظر صاحب المهمة الخلاصية بحسب العقيدة اليهودية. أمّا "ضربة الظلام الدامس"، وهي التسمية التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس على الهجوم على اليمن، فإنها تُحال إلى سفر الخروج الذي ترمز فيه العبارة إلى العقوبة التي أنزلها إله إسرائيل بمصر وفرعونها، حيث "تغرق منازل الأعداء في الظلام وتبقى منازل بني إسرائيل مضاءة". وقد عاد كاتس لاحقًا ليقول إن الأمور مع "الحوثيين" ستصل إلى "ضربة الأبكار"، وهي العقاب الأخير الذي أنزله إله إسرائيل بشعب مصر قبل أن يُغرق جيشَهم في اليم.
في هذه الاستعارات كلّها، وُظّفت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط توظيفًا دينيًا كان في أوجه هذه المرّة. ومن خلال هذا التوظيف، عُبّئ الجمهور الإسرائيلي لحربٍ طويلة، وأُصّل تعريف الصراع من الزاوية الدينية لا السياسية (وهي بالمناسبة الزاوية التي دائمًا ما كان ينطلق منها نتنياهو في خطاباته في الأمم المتحدة حتى قبل عملية السابع من أكتوبر). كما ساهمت هذه الأدلجة في تثبيت شرعيّة العنف المفرط من خلال رموز الإبادة التوراتية، وفي إلغاء البعد الأخلاقي الدولي عبر إحلال رواية مقدّسة فوق رواية حقوق الإنسان.
يترتّب على إدخال الله في ميدان الصراع السياسي تحوّل الصراع إلى ساحة محاسبة روحية، فتغدو السياسة امتحانًا للعقيدة، لا تجربة بشرية تقبل الخطأ والصواب
المعضلة أنّ إسرائيل، بما حقّقته من إنجازات عسكرية وسياسية على أرض الواقع، تبدو حتّى الآن وكأنها طابقت روايتها الدينية مع نتائج أفعالها. أي، بمعنى آخر، بدا أن الله سدّدها وباركها ورعاها حتى حظيت بالظّفر على أعدائها. أما "الأعداء"، فخُذل يقينهم بالنصر، حتى اعتبره البعض نصرًا مؤجلًا (يستعيد البعض المقطع الأخير من خطاب أمين عام "حزب الله" السابق السيد حسن نصرالله ليثبّت فكرة اليقين هذه، وهو قال يومها إن المعركة أفقها واضح وقد تمتد لسنوات، لكن نهايتها يراها المجاهدون والصابرون، وهي أن نتنياهو يقود كيانهم إلى الهاوية والخراب الثالث). فيما يُعدّ آخرون خطاب اليقين منتفي الصلاحية بحكم مؤديات الواقع، ويسأل بعضٌ آخر أكثر إحباطًا: هل الله مع إسرائيل حقًا؟
على مدار حروبها، أرادت إسرائيل ترسيخ انتصاراتها العسكرية بوصفها علامة رضا إلهي، لاسيّما وأنّها كيانٌ بُني حين قام على رواية دينية بامتياز. وهي بهذا المعنى، وبالتوازي، تريد تثبيت معادلة الخذلان الإلهية للأعداء/ المقاومة، خصوصًا أنّها تُدرك أنّ حظوظها من النصر العسكريّ، بفعل العوامل الموضوعية، أعلى من حظوظ أعدائها. فهل جُرّت المقاومة إلى ميدانٍ دينيّ يُفقدها معناها وسرديتها في حال هُزمت عسكريًا؟ وأيّ تكلفةٍ تدفعها المقاومات حين تتلقى ضربات قاسية في هذا الإطار، أي إطار نتائج التوظيف الديني لقضاياها العادلة؟ وبين قداسة النضال، وضرورة السياسة، هل يصبح الدين عاملًا مساهمًا في النّضال أم خطرًا على سرديته، وبالتالي على أُفقه؟
لعلّ أوضح ما يترتّب على إدخال الله في ميدان الصراع السياسي، أيّ صراعٍ كان، أنّه يُفقد السياسة طبيعتها البشرية، ويُحوّلها إلى امتحان إلهي، لا إلى معركة تُقاس بميزان القوة والضعف، والتخطيط والحساب، وبُنى الدولة، والتحالفات، والظرف الدولي... هكذا. وفي اللحظة التي تُقدَّم فيها المقاومة بوصفها مشروعًا ذا مضمون لاهوتي، لا تعود هزيمتها السياسية أو العسكرية عند الكثيرين مجرّد إخفاق قابل للتفسير والتحليل، بل تصبح خللًا في الإيمان نفسه؛ إما في صدق أصحابه، أو في طهارة صفوفهم، أو في استحقاقهم للنصر. وهنا، ينقلب الصراع من ساحة فعل، إلى ساحة محاسبة روحية، وتغدو السياسة امتحانًا للعقيدة، لا تجربة بشرية تقبل الخطأ والصواب. وهذا تحويرٌ للصراع بالغ الخطورة، لأنه يُسقط عن المقاومة صفتها الإنسانية والنضالية، ويُنزلها ساحة المختبر الربّاني. علماً أنّ المقاومة، مهما علا مقامها، تبقى مشروعًا بشريًا، يخضع لقوانين البشر وطبائع المجتمعات، لا لقوانين الغيب.
لذلك، فحين تتلقى المقاومة ضربات قاسية ضمن فضاء تأويلٍ ديني، تصبح النتائج مدمّرة على مستويين: المستوى النفسي ــــ الاجتماعي حيث يشعر البعض في جمهورها تباعًا بأنّ الإيمان نفسه كان وهمًا؛ وهنا لا تضعف المقاومة بوصفها حركة نضالية فقط، بل ينهار معها المخزون الروحي الذي كان يمنح الناس المعنى والصبر، وتتحوّل الهزيمة من واقعة سياسية إلى كسْرٍ وجوديّ؛ والمستوى السياسي، بحيث تفقد المقاومة ضمنًا حقّها في إعادة قراءة التجربة، ومراجعة الأخطاء، وتطوير الاستراتيجية، لأنّها إن فعلت، قيل إنها تتراجع عن اليقين أو تعتذر عن وعد إلهي لم يتحقق، وهو أمرٌ من شأنه أن يضعف قدرتها على التعلّم بسبب الثقل الذي وضعته على نفسها حين أسبغت على مشروعها هالةً دينية واسعة.
وإذا كان التوظيف الديني بهذا المعنى ذا ثمن باهظ حين تُهزم المقاومة، فإنه قد يكون كذلك أيضًا حين تنتصر، ذلك أن الانتصار سيثبّت حقانية الخطاب، ويُراكم مقولاته اليقينية والحتمية، ما يمنع مناقشته أو مراجعته بطريقة أو بأخرى، وما يُصيّر كل ما هو بشريّ مقدّسًا بالعدوى.
نظريًا، لا يذهب المقاوم إلى المعركة لأنّ نصًا دينيًا أمره بالقتال فحسب، بل لأنّ واقعه استعصى على محاولات السلم والبقاء
صحيحٌ أنه لولا المقدّس لما نهض الناس، ولولا الوجدان الديني لما حمل المقاومون السلاح، ولما صبروا على قسوة العيش وتوقّع الموت في كل لحظة. غير أنّ الدين بوصفه قوة تعبئة يختلف جذريًا عن الدين بوصفه برنامجًا سياسيًا. الأول يمنح الشجاعة، ويدفع الناس إلى الفعل، وينتمي إلى مجال الإلهام الروحي، أمّا الثاني فيُصادر النقد، ويمنع الناس من مساءلة من يقرّر باسمهم، ويُدخل الغيب في مجال القرار البشري، وهو ما لا يحتمله لا الدين ولا السياسة، بل هو ما قد يحوّل السؤال إلى فضاء التدنيس: هل الله يُهزم أو ينتصر؟
واقع الحال أن من ينتصر أو يُهزم هم البشر وبموازينهم، وأنّ خلط الإلهي بالبشري لا يُنصف الإلهي ولا يُنقذ البشري. تُهزم الجيوش أو العكس فقط لأنّها أُعدّت أو لم تُعدّ، وتنتصر المقاومات أو العكس لأنّها خطّطت أو أخطأت، وتفشل لأنّ الظروف لم تخدمها، لا لأنّ الله تخلى عنها.
إن إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي (ساحة بشر تخطئ وتصيب) هي ضرورة حقيقية من أجل تحصين المقاومات واستدامة قابليتها في أن تتطور، وقدرتها على المراجعة، وتصحيح المسار، كما من أجل تقويض الذّرائع الدينية من الرواية المعادية. وإعادة الدين إلى مكانه الطبيعي (قوة روحية وأخلاقية وإلهامًا داخليًا) هو ضرورة حقيقية من أجل حماية الدين من الاستخدام المفرط الذي يُسقط قدسيته تحت ثقل الوقائع اليومية.
هكذا، لا يعود السّؤال المهم دائرٌ في فلك "هل الله مع إسرائيل" أو "هل الله مع المقاومة". السؤال الأهم والجوهريّ: هل نملك شجاعة الاعتراف بأنّ السياسة تُدار من البشر، وأنّ الدين ليس سلاحًا في يد أحد، وأنّ التقديس ليس بديلًا عن التخطيط؟ من هنا يكون الحرص الكبير على المقاومة. المقاومة التي تعرف كيف تستمد قوتها من الروح، لكن كيف تبقى محكومة بقوانين السياسة والواقع والعقل أيضًا.
لكن هنا، ولضرورة الالتفاتة، لا بدّ من تسجيل ملاحظةٍ مهمة ومركّبة حول المقاومات الدينية الخلفية إن جاز التعبير.
على خلاف ما يتصوّره خصومها أو حتى بعض جمهورها، لا تتعامل المقاومات الراهنة مع الدين "دائمًا" بوصفه أيديولوجيا مكتملة أو برنامجًا سياسيًا، بل كثيرًا ما تلجأ تكتيكيًا إلى فصلٍ عمليٍّ بين الديني والسياسي، وإن لم تُعلن عن ذلك نظريًا؛ ففي اللحظات التي تحتاج فيها إلى بناء تحالفات سياسية عابرة للطوائف، أو إلى مخاطبة بيئات دولية وإقليمية معقّدة، أو إلى تبنّي خطاب عقلاني واقعيّ يمنحها مساحة للمناورة، تُقدّم المقاومة نفسها باعتبارها حركة تحرير وطني تواجه احتلالًا ماديًا، لا باعتبارها تخوض معركة لاهوتية.
يتمظهر، والحال هذه، الفرق بين الخطاب التعبوي الداخلي الذي يحتاج إلى الوجدان الديني لدعم المعنويات، وبين الخطاب السياسي الخارجي الذي يتعامل مع توازنات القوى ومصالح الدول. هذا الفصل، وإن كان صامتًا في كثير من الأحيان، يؤكّد أن المقاومة ليست كيانًا غيبيًا بالمطلق ولا مشروعًا لاهوتيًا، بل فاعلًا سياسيًا براغماتيًا، يُعيد تشكيل لغته وخطابه بحسب السياق ومتطلبات البقاء والاستمرار(تحوّل خطاب السيد حسن نصرالله بعد "طوفان الأقصى" من سنصلّي في القدس إلى معركة التحرير بالنقاط).
خلف الضجيج العقائدي أيضًا، ثمّة حقيقة أخرى متوارية، عمادها أنّ المقاومات في الأصل، يرغم انغماسها في فضاء ديني، ليست في جوهرها حركات دينية المنطلق، بل ردود فعل على واقع سياسي واجتماعي بالغ القسوة. نظريًا، لا يذهب المقاوم إلى المعركة لأنّ نصًا دينيًا أمره بالقتال فحسب، بل لأنّ واقعه استعصى على محاولات السلم والبقاء، أو لأن بيته هُدم، وأرضه صودرت، وأهله قُتلوا أو سجنوا، أو لكونه وجد نفسه أمام عدوّ يمتلك كل أدوات التفوّق بينما لا يملك هو سوى حقّه في الدفاع. الدين هنا لا يؤسّس الفعل بل يؤطّره، ولا يصنع الظلم بل يواسي ضحاياه، ولا يُشعل الصراع بل يمنح معناه الأخلاقي لمن وجد نفسه محاصَرًا بين خيارين: المقاومة أو الاستسلام. وعليه، يصبح اختزال دوافع المقاومة في بعدها اللاهوتي فيه ظلم مزدوج، ظلمٌ يحمّل الدين ما لم يقله، وظلمٌ يُسقط عن الناس حقّهم الفطريّ في مواجهة الاحتلال من منطلقات إنسانية خالصة.
بهذا المعنى، يغدو حضور الدين في خطاب المقاومة في أحيان كثيرة تعبيرًا عن لغة وجدانية أكثر منه تفسيرًا نظريًا أو خطة أيديولوجية، إذ يَصعُب أن تُلهم الناسَ مفاهيمُ القانون الدولي في الخنادق، لكن يسهل أن يفعل ذلك شعورٌ بالعدالة يستمدّ رموزه من التراث الديني. ومع ذلك، يبقى جوهر الفعل مقاومةً للاحتلال، لا تطبيقًا لمشروع سماوي، بينما يبقى الدين رافعةً أخلاقية وروحية، لا بوصلةً سياسيةً تقود القرار.
المعضلة إذًا تكمن حين يتحوّل الخطاب والفعل بأكمله إلى خطاب ديني يوجّه البرنامج السياسي، لا إلى كونه برنامجًا سياسيًا يستثمر الفعل الديني في بعده الروحي. وهذه النقطة هي زبدة القول ومتنه.