شكّلت واقعة 7 أكتوبر، وما تلاها من حرب إبادية ما زالت مستمرة لغاية الآن، امتحانًا لوعينا ولمعرفتنا، استنادًا لمفهوم الحدث كما يراه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، فكان لحظة كسر معرفي، تنفلت فيها الوقائع من أطرها المألوفة وتُرغم الذوات على إعادة تعريف نفسها.
سريعًا انقسمت الآراء والمواقف إزاء هذا الحدث؛ منها ما نظر إليه بوصفه "كارثة" أو"جريمة"، سترتد مفاعيلها وبالًا على المنطقة، إلى حدّ تحميل ضحايا الحرب الإبادية المسؤولية عن الخراب الذي حلّ بهم. كان ذلك تحت تأثير الدعاية التضليلية التي أخرجت الحدث من سياقه، وضخّمت قوة المحتل التي لا مجال لقهرها أو حتى مساءلتها. في المقابل، رأى آخرون في الحدث انفجارًا منطقيًا داخل بنية استعمارية إحلالية تمارس الحصار والتنكيل والفصل العنصري، وقرروا المواجهة برغم ضخامة التضحيات واختلال موازين القوى.
وانتقل هذا الانقسام في الآراء إلى لبنان الذي يعاني بالأساس من انقسامات سياسية حادة بلغت ذروتها مع حرب إسناد غزة من قبل "حزب الله". فبتنا نشهد على وسائل التواصل الاجتماعي آراء ومواقف سياسية تتّسم بالانفعال والكراهية وتصفية الحسابات، وتفوح منها روائح عنصرية وطبقية وطائفية بحق فئات محددة تُصنف في خانة المقاومة أو ما يسمى بـ"الممانعة"، تحت عنوان "لا يشبهوننا" أو "ورّطونا" أو "عملاء في خدمة الأجندة الإيرانية".
إن التصويب على فئة بعينها بصورة نمطية اختزالية وتسفيه تضحياتها، والحط من شأن معتقدها، يعزّز الشعور بالاستهداف، فتأتي الردود أيضًا عنيفة وحادة. وكان أن انبرت بعض النساء ممّن يشغلن مواقع سياسية وإعلامية لإبداء آرائهن بطريقة انفعالية، واختزالية، مستبطنة مواقف ذكورية، ومُعيدة إنتاجها بطريقة فجة واستعلائية، ضاربة بعرض الحائط الحق في الاختلاف. وأتت الردود عليهنّ ذكورية بلُغة مقزّزة. ثمّ، تحت عنوان "النسوية"، أدانت بعض الناشطات اللغة الذكورية، وبالطريق صوّبت على ما أسمته "نسويّات الممانعة" اللواتي ارتضين الانضواء تحت سلطة الأبوية، كونهنّ احتضنْ المقاومين ورفعن لواءهم.
هذه الانزلاقات الخطابية، التي تعبّر بالأساس عن الانقسامات السياسية والثقافية والطبقية، وإن كانت متلطّية خلف جدار النسوية من ناحية والوطنية من ناحية أخرى، هي خير معبّر عن الهزال المعرفي الذي وصلنا إليه، والذي كشفته حرب الإبادة. وهذا ما يستدعي منّا وضع أفكارنا على المشرحة وتشخيص العلل الناجمة عن الهيمنة والاستتباع، لا سيما أننا لم نشهد أي تحرك نسوي عربي يستنكر، ويغضب، في مقابل انحياز لاأخلاقي لبعض المنظمات النسوية الغربية، التي دعت إلى التحقيق في اعتداءات جنسية قد تكون إسرائيليات تعرّضن لها إثر أسرهن من "حماس"، وإشاحة نظرهنّ عما يجري في غزة. أما اللواتي تضامنّ مع غزة، فتعرضنّ للمساءلة والعقاب.
ازدواجيات واختزال
تكمن خلف فوضى المعاني هذه عوامل عدة، منها ما أتاحته البيئة الرقمية لكائن من كان ليُدلي بدلوه، بحيث اختلط كلام العالم بالجاهل، والمُرسل بالمتلقي، والعام بالخاص بالحميمي. كذلك اختلطت الأدوار بين الأكاديمي والناشط والإعلامي وصانع القرار، فصار يصعب تشكيل أي قضية، ويستحيل التلاقي حول حقيقة معينة أو مصلحة عامة.
إن إطلالة سريعة على إرهاصات هذا المأزق، كما تمظهرت في الأعمال الصحفية المنشورة خلال هذه الفترة، تُرينا جملة معضلات أثارتها هذه الأعمال: لمن الأولوية، التحرير أم الإصلاح؟ التحرّر أم التحديث؟ العنف المنزلي أم عنف الحرب؟ علمًا أن بعض هذه الأعمال آثر التركيز على ما يراه ازدواجية في المعايير: كيف يمكن مناهضة الإمبريالية وتقبّل أساليب القمع المحلية، وكيف تقدم نسويات لبنانيات على مبايعة تنظيم ديني مسلح والتغزّل برموزه الذكورية وغفران ذنوبه وانتهاكاته بحق النساء؟
الخلط في الأدوار بين الباحث والناشط والإعلامي أعاق إلى حد بعيد تشكّل القضايا النسوية بطريقة سويّة
يفتح التفكير في هذه المعضلات الآفاق لضرورة الخروج من أسر المقاربات الأحادية الجانب، وعدم ترداد ما يقوله حرّاس النظام الرأسمالي الاستعماري تحت عناوين براقة: المساواة الجندرية، الهويات الجنسية، العدالة الاجتماعية، الحوكمة، الشفافية، السقف الزجاجي، الثقافة القامعة، النشطاء، إلى جانب عدم الانجراف في التفكير الاستقطابي الثنائي الذي يؤسس لصراعات لا تنتهي. كما يفرز هذا التفكير المجموعات تبعًا لمدى اقترابها من أو ابتعادها عن أساليب الحياة الغربية؛ وبالتالي فهو ينمّط هذه المجموعات على نحو إطلاقي لا مجال فيه للتلاقي. فالاستعمار اخترق على نحو عنيف أوجه الحياة كافة كالثقافة والقيم والموارد، وحصلت جراء ذلك عمليات نفي للآخر، وإنكار أي صفة إنسانية له بالتالي. إن تسمية "حيوانات بشرية" لم تأتِ عبثًا، وهي ليست زلة لسان، إنما تؤشر إلى اللغة المنحطة التي تكمن وراء حرب الإبادة.
ولعل أبرز المعضلات تتمثل في عجزنا عن تفسير معنى ما يجري حولنا وتفهّم الظواهر التي تحيط بنا، انطلاقًا من واقعنا، حيث بات البعض ينعت النساء المحتسبات المضحيات بـ"التخلف"، ويعتبرهنّ أسرى "ثقافة الموت". يمكن التملي بأبعاد هذه المعضلات المتمثلة في الاستقطاب الثنائي الذي وقع في أسره بعض الفكر النسوي العربي نتيجة الهيمنة (الخصوصية مقابل العالمية، الحداثة مقابل التقليد، الاجتماعي مقابل الوطني، إلخ.) لكي نفهم سبب التصويب على النسوية تزامنًا مع ما يجري على مستوى الإبادة التي استهدفت جوهر الوجود الإنساني في غزة، وربما تفكيك العوامل الكامنة وراء وقوع بعض الفكر النسوي في هذا المأزق.
عوامل القصور المعرفي في بعض الأوساط النسويّة العربيّة
لعل الخلط بين النسائية والنسوية، الناجم بدوره عن الخلط في الأدوار بين الباحث والناشط والإعلامي، أعاق إلى حد بعيد تشكّل القضايا النسوية بطريقة سويّة، إلى جانب الوقوع في أسر التمويل وبرامج التمكين المؤطرة سلفًا. يُضاف إلى ذلك إغفال بعض النسوية العربية التحولات الكبرى الطارئة على المجتمعات الغربية في فترة الحداثة المتقدمة، والأزمات السياسية والأخلاقية والإنسانية المرافقة لها. وهذا ما ساهم في ترسيخ الهيمنة وتكريس صورة منقوصة عن الذات وعقدة الدونية، ودفع للوقوع في فخ الاستقطاب الثنائي، وأعاق ممارسة النقد في الاتجاهين على حد سواء (الحداثة والتقليد كعنوانين متداخلين).
1- إغفال النسويّة العربية سياق ظهور المفاهيم
ما من نظرية فلسفية أو فكرية إلا وكانت استجابة لحاجات عصرها. لذا سنكتفي ببعض الأمثلة التي تدل على عدم إطلاقية التيارات الفكرية والمفاهيم والنظريات التي عرفها العالم المتقدم.
على سبيل المثال، تناست بعض النسويات أن الوجودية، التي من روادها رائدة النسوية سيمون ده بوفوار، ظهرت بوصفها استجابة فلسفية لأزمات الإنسان الحديث، وتطورت في سياق القرن العشرين على خلفية الحروب العالمية، وانهيار اليقينيات التقليدية، وهشاشة الوجود الانساني أمام العبث والموت والقلق.
كذلك تغاضت بعض النسويات عن مترتّبات انخراطهن الكلي في التيارات الفكرية التي راجت في حقبة ما بعد الحداثة، لا سيما لجهة تبني المنهج التفكيكي لدى دريدا، الذي أفضى إلى تعزيز النسبوية نتيجة التشكيك في العلم والعقلانية، بحيث أصبح من الممكن الادعاء بأن الحقائق العلمية ليست سوى " خطابات مهيمنة" تخدم السلطة.
بالتالي، لم تعد التيارات المتطرفة تنظر إلى المعرفة كمنتج ثقافي متغيّر فحسب، بل أصبحت تُقدم نفسها كـ"حقيقة مطلقة" ينبغي أن تفرض على الجميع. وبهذا، أصبحت "ما بعد الحداثة" أيديولوجيا، لا مجرد نقد معرفي. وانعكس ذلك على الفكر النسوي في الثمانينيات والتسعينييات، عندما بدأ هذا الفكر يأخذ شكلًا تطبيقيًا في مجالات عدة مثل النظرية ما بعد الكولونيالية (تفكيك الغرب باعتباره بنية قمعية)، والنظرية الكويرية (رفض أي هوية جنسية ثابتة أو طبيعية)، ونظرية العرق النقدية (تفسير الظواهر الاجتماعية كافة من خلال عدسة الهيمنة العرقية)، والنسوية الراديكالية (تحويل الجندر إلى مفهوم مبني بالكامل على السلطة والقمع).
كان واضحًا تفاعل البعض مع الحركات النسوية المروجة ضمنًا للهيمنة، من دون الالتفات إلى الحركات النسوية المعارضة للهيمنة الاستعمارية
كذلك، قليلًا ما انشغلت النسويات في الجانب الإبستمولوجي الذي يناقش مسائل التنوير والعقلانية، من منطلق نقدي. هذا عدا عن أن الثبات واليقين المطلق الذي اتسم به التيار الغالب على الفكر النسوي كان قد أغفل الجانب الأخلاقي، وقلّل من شأن الجانب الإيماني، ولم يربط الفكر بالواقع.
2- الانبهار بالتيارات النسوية البيضاء
كان لافتًا اعتناق الكثير من الناشطات النسويات مقاربات استشراقية تربط حالات الأذى التي تصيب النساء بالإسلام وبالثقافة العربية بشكل شبه حصري. وكان واضحًا تفاعلهن مع الحركات النسوية المؤطرة من داخل النظام الرأسمالي، المروجة ضمنًا للهيمنة، وبالتالي نادرًا ما التفتن إلى الحركات النسوية الغربية الناقدة للنظام الرأسمالي والمعارضة للهيمنة الاستعمارية. وقد عزز من ذلك انشغال الأكاديميات في البحوث الكمية والدخول في لغة الأرقام التي تراوغ النقاش وتبعد سؤال المعنى. وشرعت الحركات النسوية تحتفي بالنساء الخارقات للسقف الزجاجي والواصلات إلى مراكز القرار العليا، من دون أن تتساءل عن جدوى وصولهن في حال مارسن أساليب الذكور.
لذلك، وجدنا أن بعض المقاربات النسوية لقي ترحيبًا في ظل سياق وظروف معينة، وبعضها الآخر في سياقات أخرى تم تجاهله من قبل المنظومة الرأسمالية الأبوية، بما لديها من أطر فكرية وأكاديمية وإعلامية، وحوافز وإغراءات مادية. على سبيل المثال، لم نجد صدى في بلادنا لأطروحات الأخلاقيات النسوية التي حاولت تنقيح الأخلاق التقليدية، وإعادة صوغها، وإعادة التفكير في مدى انتقاصها من قدر خبرة النساء الأخلاقية والحطّ من قيمتها. كما تصدرت المقاربة الجندرية المشهد في بلادنا بعدما لاقت ترحيبًا في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية، على العكس من المقاربة الرعائية التي تم تهميشها في تلك المجتمعات.
خاتمة
بعدما انهارت السرديات الكبرى وأُسقِطت الكثير من الأطر التي كانت تمنح الحياة معنى متماسكًا، مثل الأديان والأيديولوجيات السياسية والمذاهب الفكرية الكبرى، وأصبح الإنسان يواجه عالمًا بلا مركز، حيث لا توجد حقائق مطلقة ولا غايات كونية، خلقت الثورة الرقمية عالمًا تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقي والافتراضي، حيث تتدفق المعلومات بلا نهاية، ما جعل أي محاولة للتمسك بمعنى ثابت أو رؤية متكاملة للحياة أمرًا شاقًا. وهذا أدى بدوره إلى نوع من التفكك الثقافي ونهاية اليقينيات الأخلاقية، وخلق عالمًا نسبيًا بالكامل.
في هذا السياق، وفي ضوء حرب الإبادة غير المسبوقة التي يشنها الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة، وقف العالم إما متفرجًا أو عاجزًا أو غير مبالٍ. ولاحظنا أن بعض النسوية العربية أصيب بالحرج، فانقسم سياسيًا، لا نسويًا، على الشكل التالي: مجموعة سكتت وغابت عن السمع، ومجموعة اكتفت بإدانة النسوية الغربية، ومجموعة أدانت المجموعات المقاومة ذات الطابع الأصولي التي في ظنّها سبّبت الخراب وأعاقت حياة الهدوء والمتعة التي كنّ ينعمن بها، ومجموعة أخذت جانب الحياد وحاولت انتقاد الأطراف المتقابلة. ونادرًا ما شهدنا، بالتالي، أي نقاش حقيقي في حقوق النساء وسبل حمايتهن.