"الطائرة ليست غولًا" يقول طفلٌ غزيٌ ويبتسم!

ثلاث تجارب تروي قصة الفلسطينيين في غزة خارج حدود هذه البقعة القاتلة ظروفها. كيف يشاهدون "طائرةً" بيضاء للمرة الأولى، ويُطلقون عليها اسم "مدنية"؟

"ماذا فعلتِ بنا يا غزة؟" تسأل ولاء نفسها! "البكّاءة، الحسّاسة، العاطفية، الخوّافة" وفق ما تصف نفسها، تبلّدت مشاعرها فجأة! صارت لا تكترث، أو ربما لا تنتبه حتى للمشاعر الجديدة، ولو كانت "سفرًا لأول مرة، على متن طائرة".

"لا أعرف كيف أخبركم بهذا. لقد فقدتُ الشعور بأي شيء - حرفيًا - أي شيء" تقول، بينما يخبرها زميلٌ كان يقف بالقرب منها: "هذا طبيعي. كل شيءٍ، كل شعور، كلّ اختبار حتى وإن كان جديدًا، سيغدو عاديًا بالنسبة لناجيةٍ من نيران حرب". 

لقد اختبرت ولاء تحت النار - مثلها مثل سكان قطاع غزة - المشاعر كلّها. وأسرفت فيها، بدموعها بين صاروخٍ وصاروخ، وضحكاتها "المزيفة" أمام أطفالها وهي تخبرهم بأنهم سيخرجون من تحت القصف أحياء، وسيكبرون معًا، وستستندُ إلى أكتافهم بينما تمسك طقم أسنانها الجديد بين يديها!

تتحدث بصوتٍ يختنق: "لقد قتلني الخوف في ليالي التصعيد، وانفطر قلبي على أنين أمهاتٍ ثكالى. كنتُ أذرف دموع الفرح مع كلّ إعلان عن انتهاء جولات الموت. لم يعد هناك متسعٌ لأي مشاعر جديدة". تصمتُ قليلًا قبل أن تتابع: "صدقوني، هذا ما اكتشفتُه عندما وجدتُ نفسي فجأةً خارج فك الحصار، أحمل معي شتات أحلامي، في ذيل طائرةٍ حلّقت بي إلى الأردن"!

تُرى، كيف يبدو ركوب الطائرة لأول مرة؟ سألَتها طفلتُها ذات الأعوام العشرة بعدما رجعت، وهذا ما أجابتها به: "لا أعرف، لم أشعر بشيء". "طيب ألم تخافي؟"، أجابتها وهي تحاول استرجاع تلك اللحظات عبثًا: "لقد نسيت. صدقيني نسيتُ بماذا شعرت، أو لعلي لم أشعر بشيءٍ أصلًا".

تذكر ولاء التي تبلغ من العمر اليوم 36 عامًا أنها جلست على الكرسي بهدوء، ربطت الحزام، وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي بعد ليلةٍ لم تذق فيها طعم النوم طوال الطريق من المعبر إلى المطار. كان الكرسي اللصيق بالنافذة فارغًا، لكنها لم تطلب الانتقال إليه! لم تلتفت نحو النافذة إلا خلسة، وهنا اكتشفت أن فضولها للاكتشاف أيضًا قُتِل!

تجربتها مع ركوب الطائرة لأول مرة، غريبة، مريبة! وجدت نفسها في طريق "اللا رجعة"! مشاعرها الإنسانية تُحتضر، وهذا هو غير العادي، الذي صرنا نتعامل معه على أنه "عادي" بالاعتياد... في غزة فقط!

قصّة السفر هنا قاسيةٌ وقاتلة. أمام الإنسان خياران فقط، إما عبر حاجز بيت حانون - "إيرز" - شمالي القطاع، الذي تتحكم فيه "إسرائيل" وفق مزاجها اليومي، أو من خلال معبر رفح البري نحو مصر، الذي يمكن أن يغلق في أي لحظة، ولأسبابٍ غير واضحة أيضًا.

تجربة الأطفال أيضًا في هذه البلاد مثيرة، لكنها مثيرة للحزن قبل كلّ شيء.

عبد الحميد عطالله، طفلٌ لم يتجاوز السادسة من عمره، يعيش في مدينة خان يونس جنوبي القطاع. يجيب عندما تسأله عن عمره إجابةً مرعبة: "احسبها أنت.. لقد حضرتُ حربين أو ثلاثة". وحين سألناه عن شعوره عندما رأى الطائرة، باغتنا بسؤال: "تلك التي تقصفنا؟ أم التي نشاهدها في رسوم الكرتون؟".

شعرتُ أنني إنسان، تحسست هاتفي وأظن أنني بعثت برسالة جماعية لأهلي وأحبابي العالقين في القطاع أخبرهم بأن ولادتي تمّت الآن

سافر عبد الحميد لأول مرةٍ مع عائلته قبل شهرين تقريبًا، وقبل هذا التاريخ، لم يكن يعرف أن للطائرة في هذا العالم مهمةً أخرى غير قصف الناس، ورمي اللهب. طفلٌ يعيش منذ ست سنوات يتحدث عن الموت وأشكاله دون انضباط. فهو شاهدٌ حي على مجازر وقعت أمام عينيه.

يقول: "في كل مرة أسمع صوت الطائرة، أختبئ في حضن ماما، لا أريد رؤيتها، هي غولٌ كبيرٌ يريد أن يلقي بنيرانه فوق رؤوسنا، ويقتلنا".

في كل جولة تصعيدٍ إسرائيلي، كان الطفل يفقد جزءًا من توازنه - وفق أمه - تأخذه الكوابيس في الليل إلى مشهد قتله، أو قتل أصدقائه بصاروخٍ تسقطه طائرة مهمتها توزيع الموت بين سكان القطاع. يرتعد من صوت بابٍ ارتطم بفعل الهواء، ويبكي لمجرد سماع هدير أصوات طائرات حتى لو لم تقصف.

"يا ماما أنا ما بدي أموت" أكثر جملة قاسية يضربها عبد الحميد في مسامع أمه إسلام. أمٌ فعلت المستحيل لتكسر حاجز الخوف وتنجو بطفلها، ولو مؤقتًا، عبر السفر به وشقيقيه للمرة الأولى في حياتهم، بعد دعوة من أخيها المغترب في تركيا.

صريف أسنان الأطفال كان مسموعًا في أذن أمهم. "لسنا خائفين، لكن الأمر مرعب.. هذه طائرة، وليست لعبة أطفال".

أغمض "عبود" - كما تحب أن تناديه إسلام - عينيه، وأغلق أذنيه قبل أن تقلع الطائرة. لا يريد سماع الصوت الذي كان يظن أنه يشبه صوت صفير صاروخٍٍ يسقط من أعلى. "لكن عندما ارتفعت عن الأرض، اختلف كل شي. أخذ يتلصص النظر نحو النافذة، وملامح وجهه بدأت تتغير، ثم ضحك أخيرًا. قال: كأنها أرجوحة وسط مدينة ألعاب".

وصفَ الأمر بـ "الجنون". "أين نحن من هذا العالم يا ماما؟ كيف لإنسانٍ يطير هكذا، أن يستغل لحظاته هذه بقتلنا؟" تساءل. ردّت أمه: "أليست هذه جملة كبيرة على عمر طفلي يا عالم؟".

في الحقيقة، لم يعرف أبناء غزة عن "الطائرة" إلا أنها سبب موت الكثيرين. جسم مُغيرٌ يحمل رسمًا لنجمة "إسرائيل"، ويقذف حممه فوق رؤوس سكان القطاع. 

لم يعرف الكثير منهم شكلًا لمطار غزّة الدولي الذي دمرته "إسرائيل" عام 2007، ودمّرت معه أي طريقٍ يصل بين الفلسطينيين والمستقبل.

الشاب محمد أبو دون يروي هو الآخر تجربته، عندما وجد نفسه فجأةً على كرسي طائرة في رحلةٍ وصفها بـ"من العمر" إلى تركيا. يقول: "انفصلت إلى اثنين في جسد واحد. أمام ذكريات أليمة عشتُها على مدار ربع قرن، أنا ابن فلسطين الذي لم يعرف غير غزة في حياته".

ابن الحصار، وواحدٌ من بين مليوني إنسان أرهقت الاعتداءات الإسرائيلية أرواحهم، يتحدث: "ظننت أنني ميتٌ مع وقف التنفيذ، حتى ولدت مجددًا مع لحظة خروجي من بوابة المعبر المصرية. صرختُ سرًا: يا حريّة، أنا قادم".

يحكي تجربته بلهفة: "شعرتُ أنني إنسان، تحسست هاتفي وأظن أنني بعثت برسالة جماعية لأهلي وأحبابي العالقين في القطاع أخبرهم بأن ولادتي تمّت الآن، في لحظة انطلاقي للحياة".

كانت إحدى أمنيات محمد "ركوب سيارة تقله لوقت متواصل لمدة أكثر من ساعتين"، على اعتبار أن تلك أطول مدة يمكن للإنسان أن يجوب فيها قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته نحو 365 كيلومترًا. فما بالكم وهو يركب طائرة تجوب به السماء فوق أراضٍ شاسعة!

يعود بذاكرته إلى لحظةٍ سبقت استقلال الطائرة. استلم جواز سفره، وراح يركض إلى باصٍ قيل إنه لأصحاب "الترحيلات" أمثاله، حيث لا يُسمح بدخول الشبان الفلسطينيين ممن يحملون تأشيرات أخرى على الجواز إلى مصر، فتخصص لهم باصات معينة للترحيل مباشرة إلى مطار القاهرة، يرافقهم فيها مندوب عن السفارة الفلسطينية.

"كيف تغيرت وجوه المسافرين هؤلاء؟ كنا معًا داخل الصالة بانتظار الخروج، فهل لحظة الخروج هذه هي كرت الدخول إلى الجنة؟" تساءل وهو يتأمل ملامح من شاركوه الباص بدقة. وجوهٌ ضاحكةُ بسّامة! "حتى أن لون السماء اختلف!".

في الطريق التي استغرقت نحو ثماني ساعات، رافقه فيها صوت زياد برجي كما لو كان يقصده شخصيًا وهو يغني "وبطير من كتر الفرح لبعيد"، حرص محمد على مراقبة الشوارع، وتأمل وجوه الجنود وأصحاب المحال، واتساع المدى في قاهرة المعز.

لم ينفك محمد عن ذكر كلمة "الانبهار" لحظة الإقلاع. كان نصيبه كرسيٌ قرب النافذة. ظن أنه عانق السحاب في قلبه كطائرٍ حرٍّ يضحك للأرض من السماء، حيث لا حدود لحريته، ولا حصار. قال وقتذاك وهو يمنّي نفسه بالفرح: "ليتني أعيش عمري كله هنا بين الغيوم".

تاه محمد في مطار اسطنبول، ولم يفرق معه الأمر. لقد انطلق من القطاع بنفسية "التيه والضياع". وكانت تلك هذه فرصته لاكتشاف الحياة بشكلها الطبيعي. مطارٌ وطبيعةٌ خلابة. مساحاتٌ واسعةٌ من اللون الأخضر التي لم يشاهد مثلها في غزة قط، تلك الكتلة الاسمنتية التي يحبها برغم كل ما يعانيه فيها.

ثلاث تجارب تروي قصة الفلسطينيين في غزة خارج حدود هذه البقعة القاتلة ظروفها. كيف يشاهدون "طائرةً" بيضاء للمرة الأولى، ويُطلقون عليها اسم "مدنية"؟ كيف يركبونها بشكلٍ عادي، ولهم معها ذكرياتٌ لا تشبهُ ما صُنعت لأجله؟ بل كيف ترتجف قلوب المقيمين هنا، كلما سمعوا هدير واحدةٍ تمر بسماء مدينتهم...

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج بتنظيم من الجامعة الأميركية في بيروت ودعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي" International Media Support
* تُنشر بالتزامن مع مؤسسة "فلسطينيات"