بؤساء فرنسا الجدد... العشب القاحل للصراع طبقي

على مدى السنوات العشرين الماضية، كان سياق العنف من قبل الجهات الأمنية والاقتصادية يزداد سوءًا ضد فقراء الضواحي، المولدين في فرنسا وحاملي جنسيتها والمتحدثين بلغتها، وأبناء الجيل الثالث أو الرابع لعائلات لم تتمكن من كسر دائرة التهميش.

يُفتَتح الفيلم بصورة مهيبة؛ كادر واسع يلتقط مئات الآلاف على امتداد الطريق المؤدي الى قوس النصر في باريس، محتفلين بفوز منتخب فرنسا بكأس العالم عام 2018.

بين هؤلاء المحتفلين، "البؤساء" أبناء الضواحي وسلطة العنف. في المشهد الأخير، سيكونون وحدهم، تليهم شاشة سوداء عليها عبارة من رواية  فيكتور هوغو، "البؤساء": "تذكروا هذا القول جيدًا يا أصدقاء، ليس ثمة عشب قاحل ولا بشر سيئون، بل هناك مزارعون سيئون".

لادج لي، مخرج الفيلم، فرنسي من أبناء الضواحي الفقيرة. يروي عبر فيلمه الذي حمل عنوان رواية هوغو قصة شرطي يُنقل للعمل مع زملائه في الشرطة إلى ضاحية فقيرة سكانها من السود. يكلّف الشرطي مع زميلين له بقضية البحث عن حيوان صغير تمّت سرقته. ولدى العثور على المتهم، يواجَه بعنف شديد.

عنف الشرطة ضد المتهم ورفاقه تصوّره طائرة درون، ومن هنا تبدأ الحبكة لفيلم يعرّي العنف ضد أبناء الضواحي الفقراء، ويربط سياقه بعنف الشرطة الذي أدى إلى مقتل شاب من ضاحية مونتفرماي التي كبر فيها المخرج، لكن من دون الإغراق في صورة أُحادية للشرطي العنيف. ثمة تصوير هنا لرجال الشرطة أنفسهم كضحايا ثانويين للسلطة.

يفكّك الفيلم العنف كآلية للحكم في الضواحي، وتركيبة السلطة المتمثلة بـ"المختار"، وجزءًا من البنية المجتمعية نفسها، وتفاعل ذلك العنف ليصبح وسيلة للبقاء بالنسبة لأبطال الفيلم من "بؤساء" الضواحي.

الفيلم الذي نال جوائز عالمية وحضر في احتفالات الأوسكار في الولايات المتحدة، يترك أثرًا عميقًا في متابعيه، بلغته الفنية، وسياق روايته، وكذلك بفهمه أدوات المواجهة بين شخصياته، الذين لا يملكون سوى ما تنتجه ردود الفعل. بهذا المعنى، فإن لادج لي، الذي يعلن تمسكه بمبادئ "المساواة والأخوة والحرية"، يلفت الى أن بؤساء فرنسا الجدد هم القابعون في الضواحي.

فجأة، يتلاشى التعاطف الذي أبداه مشاهدو "البؤساء" مع شخصيات الضواحي، ومعه تفهّم عنفهم بوصفه ردّ فعل على عنف السلطة

خارج كادر الفيلم، ثمة مشهد آخر جرى في مدينة نانتير، حيث أشعل قبل أسبوعين مقتل الفتى نائل برصاص شرطي ردّ فعل عنيف من أبناء هذه الضواحي. كان ذلك في أيار/مايو عام 2018، في باحة جامع باريس العاشرة (نانتير). حفنة صغيرة من الطلاب تمر بزملائها لتروي لهم أحداث حراك أيار/مايو 1968 الذي انطلق من هذه الجامعة.

الآخرون، أي الغالبية الساحقة، لا يعرفون عن هذا الحدث شيئًا. البعض يُناقش السرديات التي سادت على شاشات التلفزة، وما تنطوي عليه من "رِدّة" حيال هذا الحراك، إذ إنّ بعض أبرز وجوهه انضموا إلى الدائرة المتحلقة حول سياسات ماكرون اليمينية. فيما حراك أيار/مايو 1968 كان بالتحديد ما سمح لعمال الضواحي من مهاجرين (حينذاك) وأبنائهم بالتحرر من قيود مدن الصفيح، وفرض بعض شروط العمل الآمنة.

الصمت أو الرّدة تلك، جزء من سياق. وهي رفض لحراك 1968 الذي أتاح تحقيق مكتسبات راكمها أهالي "البؤساء" الفرنسيين الجدد، أبطال فيلم لادي لي ورفاق "نائل" الذي مات برصاص شرطي، كما مات آخرون قبله، وطُمست قضاياهم لغياب الكاميرا التي توثق ملابسات العنف الذي أودى بهم.

بين 2005 و2023، كان سياق العنف من قبل الجهات الأمنية والاقتصادية يزداد سوءًا ضد فقراء الضواحي، المولدين في فرنسا وحاملي جنسيتها والمتحدثين بلغتها، وأبناء الجيل الثالث أو الرابع لعائلات لم تتمكن من كسر دائرة التهميش.

يُمحى تقريبًا فعلُ قتل نائل من الخطاب التلفزيوني إلا في ما ندر، ويُضحي رد الفعل الجريمةَ الوحيدةَ الواقعة. وتُغفل قضايا بالغة الدلالة مثل تدني مستوى الخدمات الاجتماعية والتعليميّة في تلك المناطق، والقوقعة التي يُسجنون فيها، وعنف الشرطة المتمادي، وحاجة الأهل لمراكمة ساعات عمل إضافية، والغياب طويلًا عن المنزل لتأمين ضروراته، والعبء الذي تنوء تحته أمّهات مطلقات يتكفّلن وحدهّن بتأمين حاجات أولادهنّ.

فجأة، يتلاشى التعاطف الكبير الذي أبداه مشاهدو "البؤساء" مع شخصيات الضواحي، ومعه تفهّم عنفهم بوصفه ردّ فعل على عنف السلطة ممثلة بالشرطة ضدهم، ويعود الكثير من مشاهدي الفيلم الى مربّعاتهم، وإلى الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها في السلم الاقتصادي ــــ الاجتماعي.

بهذا المعنى، فإن الإنقسام الفرنسي الحالي هو شكل من أشكال الصراع الطبقي الذي يغلّفه رداء عنصري. وفي هذا الصراع يحقّ للأكثر فقرًا أن يكونوا ضحايا على شاشة السينما، في قصة خيالية مستوحاة من الواقع.

لكنهم، عند كل مواجهة على أرض، يُعاد تصنيفهم كمجرمين مسؤولين عن فقرهم، وعن كلّ علّة في البلاد، وتُسقط عنهم الهوية، ويصيرون غرباء.

الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب: مقدّمات موسم "الهجرة الصامتة" من فرنسا

"فرنسا تحبّها لكنّك تغادرها". ما الذي يقوله هذا الكتاب عن "الهجرة الصامتة" للفرنسيين المسلمين أو..

بيسان طي
من ذاكرة النساء في مناطق "داعش": آليّات العنف وتراتبيّة المُعنِّفين

وفق الشهادات التي جمعتُها، فإن مراكز العمل في مناطق "داعش" أشبه بعالم الـ"حرملك" الذي  يغذّي فانتازمات..

بيسان طي
الانفجار الكبير: الحدث الأخير في سلسلة القتل البطيء

قُتل المرفأ مرة حين تحوّلت منطقة الكارنتينا من مأمن صحيّ إلى مكان مجزرة طائفية ومناطقية، في سجلّ بدايات..

بيسان طي

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة