أشتري رحى لطحن ذاكرة

ما المشكلة إن عبث أحد ما بذاكرتي، وأضاف لها مشهدًا خلابًا، أو لغة تصير مؤونة لزمن عض عليه القحط!

"وضعت ذاكرتي على عتبة المنزل، في اليوم التالي خرجت ولم أجدها". كانت تلك عبارتي لتبرير ما أخرجته بيسر من الذاكرة.

مثل كل الأشياء الطرية واللينة، مثل قطعة معجون تتمدد وتتقلص بين الأصابع، مثل هشاشة قطرة الندى أمام فعل التبخر، كنتُ على يقين بأني أمتلك ذاكرة بالطراوة والليونة والهشاشة ذاتها.

ثم لا شيء. أصبحتُ لزمن لا بأس به بلا ذاكرة، كان استشفاءً عظيمًا لكلينا. ولأن الأشياء لا تمتلك صفة الاستدامة، كان لا بد لي من استثمار المساحة الفارغة بما سأنتقيه هذه المرة، بدل أن أترك للمصادفات ميزة انتقاء الذكريات.

رحت أستثمر الوجوه القريبة والغريبة والأصوات والمفردات، حتى إني استثمرت فطرة الأشياء لأصنع منها مشهدًا لا تعرفه الذاكرة البعيدة.

ازدهرت تجارتي، فتوسّعتُ بأعمالي. صرت أشتري الأغاني، أضعها في جيوب العابرين. أشتري المفردات وأحقنها على ألسنة الصامتين. أشتري كيمياء تحدث بين ذرتين، وأفخخ بها المسافة الفاصلة بين عاشقين مرتبكين. أشتري أصائص فارغةً لأوحي للعاطلين عن العمل فكرة زرع وردة. أشتري العطش وأرفع مزاج الساقي بكوبي الفارغ. أشتري الأوراق الفارغة وأهمس لشاعرٍ؛ متى ستوقع على القصيدة التالية!

كان الرجل الذي أدفعه للركض على طول المسافة في حكاياتي يسألني بإلحاح: لماذا تفعلين ذلك؟ ما هذا العمل؟

سألته: كيف تصف ذاكرتك؟

قال: مؤلمة، حزينة، فيها شيء من الفرح، شيء بخيل، غير أني نادرًا ما أذكره.

قلت: أنا لا أفعل شيئًا خاسرًا. يمرّ غريب قرب سور حديقتي، فأناديه، أقول له: "هييه.. أنت.. تبدو وسيمًا هذا الصباح"، فيخضرُّ قلبه. تخرج امرأة من باب منزلها، تنتعل حزنًا ثقيلًا يبطئ خطوتها، فأهمس لها: "وجهك ساحر، تشبهين غزالة"، فتقطع غابة بقامتها. يأتي بائع الخضار، فأشتري منه الخس والفلفل وأسأله: "لم لا تغني موال سبعاوي؟ صوتك حلو"، فيتنحنح ويدهس نشاز القهر تحت عجلات العربة.

أشتري كل ما يصلح لأن يتحول إلى عبارة حلوة أو أغنية أو موسيقا أو حركة أو ضحكة، وأحقنه في ذاكرة العابرين. أجرب صنع ذكريات سريعة لحياة بطيئة.

لماذا أفعل ذلك؟

أصابني الامتنان فجأة. كان لدي جوع للوجوه التي لا تترك أثرًا في القلب، جوع للعبارات التي لا تدفع بالدم سريعًا نحو القلب، جوع لمحو مشهد الحرب من الذاكرة، لمحو الخسارات، لمحو الخوف المتراكم من أتفه الأسباب إلى أعظمها.

أغنية "كان لك معايا أجمل حكايا في العمر كله".. أريد أن أهديها إلى الرجل الذي يعود امتناني إليه مع كل زفير وشهيق!

لفت نظري إلى هذا الأمر كتاب جميل اسمه أبناء الأيام لإدواردو غاليانو. قرأته، فصارت بين يدي آلاف الذواكر لأناس لا أعرفهم، لثقافات لم أختبرها، لمشاعر كانت طارئة على مساحة شعوري.

تساءلت، لماذا نتشابه جميعًا؟ لماذا ننام مثقلين بالقبول الطارئ؟ لماذا تدفع به الحياة نحونا، ولماذا نصحو على وهم الرضى؟ لماذا نبارك أسوأ الذكريات، نحتفي بها، نرفع أنخابها، نسردها كأنها روايتنا الوحيدة، نبقي على الجزء الأعنف فيها، ثم نمرره على المسامع كمفردة في آخر مشهد سينمائي؟

ما المشكلة إن عبث أحد ما بذاكرتي، وأضاف لها مشهدًا خلابًا، أو لغة تصير مؤونة لزمن عض عليه القحط!

صارت لعبتي، وكنتُ أصنع في اللحظة ذاتها ذاكرتين، واحدة لي وأخرى لمن تدفعهم الحياة من ظهورهم، فنتقابل. ثم أقبض على الجزء الفارغ أو المؤلم، أحشوه بشيء من السعادات المؤقتة، بشيء من المادة الخام لصنع لحظة تصلح للتذكر.

منذ أيام، انتقل ساكن جديد إلى حيّنا. وربما تحديدًا انتقل إلى الشرفة التي تطل على حديقتي. ساكن لا يعنيه البرد، يجلس كدرعٍ يسد الريح، يُخرج البخار من كوب شايه، ويبدّد وحدته بالغناء. بدأنا نستمع إليه في الحي، ثم رحنا نتجرأ على طلب أغنيات محددة، رفعت صوتي، وقلت:

"ذكاتك.. أغنية "كان لك معايا أجمل حكايا في العمر كله".. أريد أن أهديها إلى الرجل الذي يعود امتناني إليه مع كل زفير وشهيق!".

ربما ليلتها أجاد بقصد أن يمنحني لقطة عابرة ستتردّد على مقامات كثيرة كلما سمعت أغنية. وربما أجاد لأنه أدرك أن الغياب جائع لابتلاع المسافة، وأن لا شيء يليق بتلك المسافة أكثر من خلق ذاكرة حلوة على مر العمر كله.

أرفع سماعة الهاتف. أتّصل بالرجل الذي سأحبه إلى أن تفنى نقطة النون في الزمان، وأقول له: الغياب جائعٌ جدًا.

يقول لي: اهتمي بالمسافة.. إنها تصوننا.

أهمس له: أنت مسافتي من هذا العالم.

يُضاء في الحي قنديلٌ، يمر كلب متشرد، أرمي له قطعة خبز. يعود في اليوم الثاني، فأرمي له بأخرى. يمر أسبوع على توقيت تبديد الوحشة. أغيب عن المنزل، فيعوي بحزن، ينام أسفل جدار الحديقة منتظرًا عودتي.

ثمة ألفة نشأت بيننا، ومثل قصص الأطفال وجدتُ نفسي أزرع فيّ شعور الكلب ذاكرة فسّرها بالأمان، وبادلني بالتفقّد، ففسرت التفقّد بالطمأنينة. ثم صرنا نتشارك الذكريات، أقرأ قرب سور الحديقة، يعوي إذا ما أعجبته قصيدة، يغفو إذا ما كان الكاتب يطعن وقتنا بالرداءة، ويبوّل عند جذع شجرة إذا ما سألته عن رأيه بالأخبار العاجلة.

أنام، ثم أصحو على صوت بائع الخضار يغنّي موّاله السبعاوي. أراقب المرأة التي تقفز مثل غزالة في شارع يخلو من الأشجار.

ألمح الرجل الذي ارتدى ابتسامته قبل قميصه وخرج.

أودّع الكلب الذي عوى على الوحشة فهربت.

أضع أحمر الشفاه، وأكتب رسالة إلى الرجل النائم في الطرف الآخر من العالم:

"صباح الخير، اليوم حصدت أول موسمٍ مما زرعناه في المسافة".

تفاح غزّة والعالم المتفرّج

صرت أراقب الحناجر، جميعنا غصصنا في التفاح. صرنا متفرجين بصمت إلى مهدي الذي حوّل خذلان هذا العالم بمشاهده..

رنا سفكوني

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة