ترويدة وطفة

إلى وَطفة موسى التي غادرَت فلسطين مع زوجها نحو لبنان سنة 1948، وغنّت كلماتها حفيدتها سناء...

ربما كان فجرًا حين حزَمَت وَطفة محمد موسى حقيبة ومشت إلى جوار زوجها مُغادرةً فلسطين باتجاه لبنان سنة 1948، تركت خلفها منزلًا وأرضًا وأهلًا، وترويدة ارتجلتها على درب اللجوء تقول فيها: "لفّي محرمتك عالسّيف لفّيها.. يا امّي الوحيدة اغراظك ظبّيها".

بعد جيل، عادت وطفة إلى مسقط رأسها في الجليل، ظل الزمن بين اللجوء والعودة مجهولًا. لا دلائل تشي بسيرة حياتها المفقودة.

بحثتُ في سجلات عائلتي. هل لدي جدة اسمها وَطفة؟ لربما التقطتُ تفاصيل حكايتها من مكان ما، فأُمسك بعامل مشترك لنساء حملن هذا الاسم. غير أن أيًا من جداتي اللواتي عدتُ إليهن، وصولًا إلى ما قبل النكبة بزمن بعيد، لم تحمل اسمها.

لديّ حكاية حلوة ترويها نساءُ العائلة عن امرأة اسمها فاطمة. ورقة في دائرة النفوس تؤكّد أنها جدتي لأمي، كانت تحبُ جدي إلى أن جعلها هذا الحب زوجة أولى. بعد زمن وثلاثة أولاد، جاءت امرأة أخرى وسلبت ما أحبّت؛ البيت والزوج والأرض. كل ذلك خلق مشهدًا قد لا يظنّه الناس حقيقة، غير أنها نهضت من فوق بساطها الذي أثقلته بانكسارها، ومشت ثلاث خطوات فوق ثلاثة أجساد طريّة نائمة على الأرض، ثم أغلقت الباب خلفها وغابت.

في حكاية جدتي لم أجد رابطًا يجمعها بوَطفة التي قطعت نهر الليطاني. لم أجد دليلًا على معركة ـــ ولو وحيدة ـــ لاسترجاع ما سُلب منها. ثمّة هزيمة أقرّت بها حين غادرت دون وعدٍ بالرجوع.

جدتي لأبي فتحت للهزيمة بابها على مصراعيه، واستقبلت الزوجة الثانية برحابة صدر. ابتسمت في وجهها، ومنحتها غرفتها الكبيرة. أنجبت الزوجة الثانية أولادًا، اتسع لهم المنزل وضاق على جدتي. بسكونها واستسلامها شغلت ركنًا بعيدًا يكسر ظلمته فانوس زيت قرب السرير. من نافذتها الصغيرة كانت تحدّق في النهر الذي يقسم القرية إلى قسمين. ربما اشتهت أن تقطع النهر ولم تجرؤ، ربما هزمتها فكرتُها الخاطئة بأنّ ما وراء النهر ليس بلادًا. وربما كان رُكنها، برغم ضيقه، هو الوطن الوحيد.

أغرتني فكرة أن أخترع حكاية تبدأ من الجليل، ربما من لوبيا أو المجيدل أو قد تكون من صفورية. تخيّلت حقيبتها جلدية بلون البن عُقِد منديل على مقبضها. ربما هو المنديل ذاته الملفوف على سيف ترويدتها. ألبستُها ثوب جريب غزاويٍ مطرّزٍ بورود حمراء وزرقاء، ودفعتُها نحو مجرى النهر تقطعه بثلاث خطواتٍ كعروس يزفّها الماء بزغاريد محصورة بين ضفتيه.

تخيلتها تطهو في مخيم "ويفل" الذي كان قبل ذلك التاريخ ثكنة عسكرية فرنسية، وبخفة دم الفلسطينيين تحوّل اسمه إلى مخيم الدنمارك على سبيل النكتة. لم تكُن تلك النُكتة تليقُ بعروس تضفر أغنية في رحلة تهجيرها. لذلك حذفتُ مشهد المخيّم من مخيلتي، فلا يليق بوَطفة سوى منزلٍ حجري يرتفع فوق تلّة تطلّ على هذا الشرق المتهالك.

أولاد وَطفة كثر، أنجبتهم على هامش النكبة. قلّمت أظافرهم، ملأت جيوبهم بالحلوى والخبز، رفعَت يدها للتلويح كلّما عبر شهيد منهم، وأعادت تدوير منديلها لمرات لا تحصى. حتى أصبح المنديل ستائر لنوافذها، وغطاءً لحصر البرد بين طيّتين، وراية تلوّح بها للذاهبين، ونهرًا يتجاوز الليطاني في طوله لكثرة ما امتصّ من دمع.

على شاشة التلفزيون مشهدٌ لطفلة غزاوية تلتقط من تحت ركام منزلها ما بقي من أطراف لعبتها، تنفض عن الأطراف الغبار وتغني:

"بعد الغالي يا عين اشكيلك

لا بالبلد ولا باللّي فيها

لفّي محرمتك عالسيف لفيها

ياامي الوحيدة اغراظك ظبيها"

ما زلتُ أبحث في أغراض وَطفة. بماذا ملأت الحقيبة، ما الشيء الذي فاقت قيمتُة كلّ الخسائر المتروكة خلفها لينجو داخل حقيبة؟ هل من صور؟ رسائل؟ وثائق رسمية تُثبت أنها من الجليل ولها جذعٌ بشرشٍ ضارب في عمق الجليل؟ هل وضَعَت جرّة كحل؟ غمد سيف؟ مفاتيح لمنازل كثيرة؟

تُعيدني أغنية "صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن" إلى رجل تشاركت معه الحي ذاته منذ فترة قصيرة. كنتُ أتلصص من نافذتي على حياته، كان يشغلُ حافة شرفته بكأس شاي وكتاب وبعض الأوراق، يكتب أشياء كثيرة ثم يرميها ككراتٍ إلى الشارع. كنتُ أنتظر ساعة نومه لألتقط ما رمى. أعود إلى غرفتي، أفتحُ نصيبي من مهملاته، فلا أجد شيئًا يستدعي تلك المجازفة التي كنتُ أُقحم نفسي بها.

بعد أشهر، غاب. أصابني القلق، تذكرت جدتي التي قطعت ثلاث خطوات فوق أجساد طرية، وقلت لن يعود. لم يكن حدسي مصيبًا، فثمة امرأة حلوة جدًا تتأبط  ذراعه ويدخلان الآن من باب المبنى المقابل لبيتي. تناهى إلى مسمعي صدى زغاريد على وقع خُطاهما. كانت إحدى يديه مشغولة بيد عروسه، والأخرى تقبض على حقيبة جلدية بلون البن. صوتُ ماء يجري بين أقدامهما. وصل البللُ إلى مخيلتي، استيقظَت وَطفة، سكَبت جرةَ ماء في قدر الطبخ، أشعلت الحطب، وَطَهت منسفًا من أرز ولحم.

تجلسُ الطفلة في حلقة مؤلّفة من عشرة أطفال آخرين يشربون المرق، يضحكون. يغنون وتقودهم الطفلة مثل قائد أوركيسترا على مسرح من ركام. يمر خبر عاجل، يختفي الحفل ويظهر الجار على الشرفة باكيًا تواسيه زوجة حديثة العهد بالفقدان.

يقول سكان الحي: لقد فقدَ أفراد عائلة في غزة، كان أغلبهم من الأطفال، كانوا يغنّون حين انقطع البث وغابت الموسيقا.

وَطفة عادت إلى الجليل، وَضعت ترويدة مثل حرز في يد حفيدة اسمها سناء موسى. كبرت الحفيدة، علّقت حرزها بلحن وغنّت لذكرى جدتها:

"لفي محرمتك عالسيف لفيها

يا امي الوحيدة اغراظك ظبيها".

أشتري رحى لطحن ذاكرة

ما المشكلة إن عبث أحد ما بذاكرتي، وأضاف لها مشهدًا خلابًا، أو لغة تصير مؤونة لزمن عض عليه القحط!

رنا سفكوني
تفاح غزّة والعالم المتفرّج

صرت أراقب الحناجر، جميعنا غصصنا في التفاح. صرنا متفرجين بصمت إلى مهدي الذي حوّل خذلان هذا العالم بمشاهده..

رنا سفكوني

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة