العنف في أغنية

يقول بيير بورديو إنّ العنف يتحوّل إلى واقع ملموس عندما تتراكم الضغوط الاجتماعية، وتُفرز الهياكل القائمة، "الأبويّة" أو "الطبقيّة"، تهميشًا، فينفجر الشعور بالظلم ويُبرَّر العنف بـ"الشرعية" المستمدة من النظام الرمزي نفسه. 

لطالما تساءلتُ منذ بدء الثورة السورية، ما الذي جعل الأغاني السورية مثقلة بمفردات العنف؟ هل بسبب القمع الطويل والمجازر التي ارتكبها الأسدان بحق الشعب السوري، أم أن العنف جذر متأصل في الشخصية السورية؟

عام 2013، ظهر فيديو لطفل يتوعّد العلويين والشيعة بالقتل، ويومئ بيديه بطريقة تستحضر الذبح وهو يغني: "شرطة نصيرية... صبرًا يا علوية، بالذبح جيناكم بلا اتفاقية". قوبل هذا الفيديو بآخر لطفل يُردّد أغنية تمجّد الفرقة الرابعة في الجيش السوري وتحرّض على تدمير المدن والمناطق السورية المعارضة. نتج من الفيديوهَين هذين إنتاج فيديو ثالث، يقدّم أغنية "بالذبح جيناكم" من قبل مجموعة من الناشطين بشكل تهكّمي، ويهدّد ساخرًا بذبح جميع الطوائف. لكنّ الأغنية التهكميّة نفسها كانت تحتوي على ألفاظ عنيفة، وربّما لم ينتبه معدُّوها إلى خطورة التطبيع مع مفردات وتراكيب لفظية كهذه.

كانت أغنية "بالذبح جيناكم" تتردّد على ألسنة سوريين، موالين ومعارضين، وتثير ضحكًا في نفوس البعض والخشية في نفوس آخرين. بل إن عبد الباسط الساروت الذي هتف في بداية الثورة مع الراحلة فدوى سليمان ضد الطائفية، ما لبث أن غناها في سيرورة التحولات التي مرّ بها، والتي تعكس التحولات العنيفة التي آلت إليها الثورة السورية. غير أننا لم نتأمل، في تلك اللحظة، صناعة العنف التي تنبعث من الأناشيد، واستسهال مفردات مثل "الذبح" و"قطع الرؤوس" وذكر الطوائف في الأغاني.

كان لمفردات العنف المستخدمة في أغاني الثورة السورية تمثيلات على أرض الواقع. وقد تمظهر هذا العنف الرمزي بشكل واضح في آليات القتل التي ارتكبتها جميع الأطراف في سوريا، فشكّلت الأغاني مرآة لما آلت إليه الأمور من اقتتال طائفي، حتى فرضت سطوتها على المستمع وساهمت في التطبيع مع السلوك العنفي.

ولم تتوقف أغاني العنف بعد سقوط النظام، بل استمر غناؤها وابتُكرت أغاني أخرى تُشيد بالقتل. فها هو غسان عبود، مدير قناة "أورينت"، يرقص في احتفال في مدينة إدلب بعد سقوط النظام على وقع أغنية "مندوسهم مندوسهم بيت الأسد مندوسهم .. يا ماهر يا نعيمي يا ماهر نعيمي وبسيفك نقطع روسهم"، ويستحضر بيديه، أيضًا، حركات الذبح. 

لم يعد الأمر، إذًا، مقتصرًا على أطفال المخيمات الذين تشرّبوا العنف نتيجة ما مورس بحقهم. ففي احتفالات عدّة بعد سقوط النظام كانت الأغنية تصدح، في استحضار للرغبة بالانتقام من عائلة الأسد ومن الطائفة التي ينتمي إليها. ما يخيف كان الصمت المريب بل التواطؤ مع المجازر، كما لو أنها أمر مسلّم به ولا يمكن تجنّبه.

لا تُنكر حنا آرندت في كتابها "حول العنف"، أن العنف قد يلعب دورًا في تفجير الثورات، لكنها تؤكد أنه لا يبني الحرية ولا يؤسس نظامًا سياسيًا عادلًا

في مجازر 7 آذار/مارس التي وقعَت في الساحل السوري، فقدتُ ثلاثة أصدقاء. سمعتُ تسجيلًا لاتصال من أخت صديقي الذي قتلته ميليشيات موالية للسلطة. تسأل أخت صديقي: "مازن...مازن هل أنت بخير؟" فيردّ عليها القاتل: "مين مازن؟ ذبحتلك ياه" ويقهقه.

لم أستطع سماع هذا التسجيل مرة أخرى. رنين الضحكة واستسهال الذبح كانا مُرعبين بالنسبة لي. لكنّ هذا الفعل كان يتكرّر على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان موالون للسلطة الحالية يضعون "إيموجي" أضحكني على فيديوهات التنكيل، بل يحرّضون جمهورهم على ارتكاب مزيد من الفظائع.

برّر يومها موالو السلطة تواطأهم بالقول إنّ فلولًا ـــ ويقصدون علويين ـــ يحاولون تقويض الدولة الناشئة. لكنّ المجازر تلك رافقتها حملات تحريض مرعبة على وسائل التواصل الاجتماعي. 

يُبدي بعض الدمشقيين، اليوم، انزعاجهم من تواجد أهل دير الزور في مدينتهم. يقول بعضهم إن أهل الدير غيّروا وجه دمشق فلم نعد نعرف مدينتنا. فيخرج رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع ليطلب من الدمشقيين تقبّل الآخر والاعتراف بوجوده المختلف. فيجتمع بعض أهل الدير في ساحة المرجة ويدبكون على إيقاع أغنية "لبّت... لبّت" التي رُكِّبَت كلماتها على لحن أغنية عراقية:

"لبت لبت هاها

من دير الزور لدرعا ولحمص أم الفزعة

فاتوا حلب والقلعة

وبالساحل نار وشبّت

خلي التاريخ يسجل

نحنا ما نقبل بالذل

سوريا يا تاج الكل

متل العروس انزفّت

لبت.. لبت".

ولبّت النار تعني اشتعلت وتوهّجت بقوة، وتُقال عند ازدياد حدّة المعارك، وأصبح يُقصد بها الآن الدعوة للتحرك والانتباه لحدث جلل. ربما كانت هذه الأغنية أقل عنفًا من الأهزوجة التي كان يردّدها البعض في السابق "قولوا للشبيحة الديرية دبّيحة"، لكن استخدامها المرافق للفزعات الطائفية التي أطلقها موالو السلطة غدا فعلًا استفزازيًا ومثيرًا للرعب في مدن تعرضت للمجازر وما زالت مهدّدة.

سبق للأسدين أن مارسا عنفًا من نوع آخر على امتداد أربعة وخمسين عامًا. لكن هل يمكن تبرير هذا العنف بالقهر الاجتماعي الذي مارسته سلطة الأسد؟ ألم يمارس الأسد القهر والعنف ضد جميع السوريين المناوئين له؟ هل يمكن، بالفعل، أن يكون العنف، كما قال ماركس، ناتجًا من فجوة اقتصادية، فيلجأ البعض إلى تحقيق العدالة من منظارهم بعيدًا عن أي سلطة؟ هل يمكن تفسير ما يحدث في سوريا من مجازر وانتقامات بسبب غياب العدالة الانتقالية؟ لكن، مهلًا، عن أي عدالة نتحدث والانتقام لم يطل سوى الفقراء من الطوائف الأخرى! هذا العنف الذي يمرّ، كما يقول بيير بورديو، دون وعيٍ ممّن يُمارَس ضدهم، وبالتالي لا يقاومون. يقول بورديو أيضًا إن العنف يتحوّل من مقدس باسم الدين إلى شرعي باسم القانون، ومن ثمّ يخدم مصالح ديكتاتورية ناشئة. 

لم يقتصر العنف المرافق للفزعات بأغنية "لبت...لبت"، بل برزت أغنية لاحقة مرافقة للفزعات:

"دمرناهم للفلول

نحن بني أمية

ها ها ها

سوريا لبست الأخضر

جيش الخاين اتدمّر

لما قلنا ع التحرير

البلد كلو استنفر".

يقول بورديو إنّ العنف يتحوّل إلى واقع ملموس عندما تتراكم الضغوط الاجتماعية، وتُفرز الهياكل القائمة، "الأبويّة" أو "الطبقيّة"، تهميشًا، فينفجر الشعور بالظلم بشكل يدفع الأفراد إلى سلوكيات عدوانية مباشرة، ويُبرَّر العنف بـ"الشرعية" المستمدة من النظام الرمزي نفسه. 

على هذا النحو، مثلًا، ظهرت أغنية أخرى ظهرت بعد مجازر السويداء تقول:

"اللي ينتظر يقسّم أرضك يا بلد

يخسر شاربه

وأقصد الهجري وقسد..."

إنّ أسوأ ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يتجسّد العنف في مؤسسات رسمية أو اجتماعية، توظّف معتقدات لإيذاء فئات ضعيفة مُستهدفة. يستمد النظام اليوم سلطته من عنف الرمز. وحتى شعار "العُقاب" السوري الجديد، الذي اعتُمد كهوية بصرية جديدة بدل النسر، وُظّف لإنتاج نشيد آخر يطوي فيما يطويه قهرًا وغضبًا مكبوتًا:

"عُقاب الشام

حلِّق يا عُقاب

من بين ركام الدمار

ومن صرخة الأحرار

ولدت يا عقاب الشام

من رحم النار

لست عقابًا لقريش

أو رمزًا لغابرين

أنت نقش من ترابنا من آلاف السنين.."

لا تُنكر حنا آرندت في كتابها "حول العنف"، أن العنف قد يلعب دورًا في تفجير الثورات. لكنها تؤكد أنه لا يبني الحرية ولا يؤسس نظامًا سياسيًا عادلًا.

إن العنف الموجّه من سلطة الأمر الواقع ضدّ معارضيها اليوم ليس خبط عشواء، بل هو عنف ممنهج يتساوق مع أيديولوجيا تسوّغه، وتعتبره الطريق الوحيد لتثبيت حضورها الناشئ.

عن عناقات مؤجّلة

وصَفت الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا العناق بـ"اللغة الصامتة والعميقة" التي تتجاوز الكلمات. فـ"الذي...

هنادي زرقة
وأنا أنا... هل أنتَ أنت؟

لماذا كنتُ "سوريةً" ترفض الظلم أيام نظام الأسد، وغدوتُ، الآن، شاعرة "علوية" بنظر أصدقاء الأمس؟

هنادي زرقة
حرب تشرين: عن نقطة مضيئة في ظلام دامس

أنا لا أعرف أبي، لكن رجلًا جاء في اليوم التالي لدفنه وانحنى فوق القبر وبدأ يبكيه. وحين سألته العائلة: من...

هنادي زرقة

اقرأ/ي أيضًا لنفس الكاتب/ة