أمّي مرآتي

توفي والدي وأمّي شابة. لم تعش معه قبل ذلك سوى سبع سنوات فعلية، إذ كان مرابضًا على الحدود في درعا، فيما نحن نسكن قرية نائية في ريف اللاذقية. نسيَت تلك الأرملة الشابة جسدها أو تجاهلته، ومن دون وعي، نقلت إلينا هذا التجاهل.

لوحة "فتاة في المرآة" لبابلو بيكاسو

تقول أختي: "ورثنا حظَّ أمّنا العاثر". أشرد: "هل نرث الحظوظ العاثرة كما نرث لون العينين والبشرة؟ من أين أتت أختي بهذا اليأس كلّه؟" لم أؤمن يومًا بالحظّ. ولطالما رددتُ: "نحن نصنع أقدارنا". هربتُ طوال حياتي من صورة المرأة النمطية التي كرّسها مجتمعنا، ولأنني نشأتُ بين ذكور، انصرفتُ في طفولتي إلى القراءة ولعب كرة القدم والدحاحل مع صبيان الحارة. كبرتُ مع كتلة أوهام ملكت عليّ تفكيري: "لا تلبسي تنورة أو فستانًا؛ لا تضعي مساحيق تجميل؛ المثقفات غير معنيات بالشكل؛ المثقفات معنيات بعقولهن". ألا يمكن أن أكون مثقفة وأحتفي بأنوثتي؟ توفي والدي وأمّي شابة. لم تعش معه قبل ذلك سوى سبع سنوات فعلية، إذ كان أبي مرابضًا على الحدود في درعا، فيما نحن نسكن قرية نائية في ريف اللاذقية. نسيَت تلك الأرملة الشابة جسدها أو تجاهلته، لا أعرف بالضبط حقيقة الأمر، لكنها، من دون وعي، نقلت إلينا هذا التجاهل. هكذا، لم يكن ثمة إشارة في تربيتنا إلى كوننا إناث، بل كنّا أشبه بالذكور في حياتنا اليومية. لم تخبرني أمّي قط عن البلوغ والدورة الشهرية، لكنّها ألمحت إلى أنَّ نزول قطرة دم واحدة سوف يميتني. وحين بدأت سنّ المراهقة، مُنعتُ من ركوب الدراجة. كانت الفتيات في صفّي تتحدثن عن البلوغ فأتركهنّ وأخشى العار. وحين بلغتُ أُصبتُ بالذعر، وكتمت الأمر عن أخواتي. ولجأتُ إلى أمّي خائفةً منكسرة، فعلمتني طريقة الاعتناء بنفسي من دون اكتراث. كان عليّ أن أدفن جسدي، ولا أسمح لنفسي بالتلصّص عليه، فما بالك أن يرى أيّ شخص جزءًا منه. كبُر ذلك الشعور بالاغتراب عن جسدي، لا باعتباره مقدّسًا بل بوصفه خطيئة ينبغي التستّر عليها. وكي أتفادى تعليقات الشباب التي يطلقونها إعجابًا بجسدي، صرتُ أرتدي ثيابًا فضفاضة تخفيه. وحين صرتُ شابة، وقع بين يديّ كتاب أمّي مرآتي: بحث الابنة عن الهوية لنانسي فرايدي، التي أفردت بحثًا كاملًا للجسد والطمث، رأيت من خلاله أنَّ جميع الأمهات يشتركن بالمخاوف نفسها.
لماذا أحبُّ الرجال القساة؟ كان عليَّ أن أراجع سيرة أمّي، وأعرف نقاط ضعفها جميعًا، وأنتبه إلى ما راكمته من كل ما سبق
لم تكن أمّي تجيد أي فنِّ من فنون الإغواء. كانت فلاحة بسيطة، وكان والدي رجلًا قاسيًا عنيفًا، شأنه شأن رجال كثيرين في ذلك الزمن. تعلّمت أمّي الخضوع لمشيئته والخوف من غضبه. وبرغم وفاته وهي في سن الشباب، قضت حياتها حزنًا عليه ولم تفكر برجل آخر، بل أفنت أيامها في سبيل تربيتنا. لم نر ابتسامتها لأعوام، لكنّها احتفظت بخاتم زواجها خمسين عامًا، ولم تفرّط به برغم مرورنا بأوقات عصيبة كنا فيها بأمسّ الحاجة إلى بيعه. ولطالما ردّدتْ على مسامعنا: "الله يرحمه عدد حبات التراب التي نزلت عليه، لقد حماني ذلّ السؤال". وكانت تقصد ذلك المرتّب الضئيل الذي تركه لها. حين كبرتُ وأصبحتُ في سن الزواج، أوصت أمّي بخاتمها لي قائلة: "أحبي الرجل الذي يستحق أن تحتفظي بخاتمه ولا تنزعيه من إصبعك". هل كانت أمّي تحب والدي برغم قسوته؟ لم تولِ أمّي عناية كبيرة بتعليمنا فنون الطبخ، بل كانت مصرة على إكمال تحصيلنا العلمي الذي حُرمت منه. كانت بارعة في الطبخ وتحضير المؤونة وصناعة الصابون، ويبدو أننا ورثنا عنها هذه الأشياء مجتمعة من دون وعي. اعتادت أمّي على الاحتفاظ بالأشياء: أكياس نايلون قديمة، قطع باقية من فساتينها، أكياس طحين، أحذية بالية، زجاجات مشروبات غازية فارغة، بلّور. لم تعتد الاستغناء عن أيّ شيء، إذ كانت ترى أننا قد نحتاجه في وقت لاحق، من دون أن نقوى على تحديد ولو ملامح ذلك الوقت اللاحق. عُرفت أمّي بأنّها امرأة متوترة ومذعورة على الدوام. تجزع إذا تأخر أحدنا. تقضي نهارها جيئة وذهابًا على الشرفة مترقبة وصولنا في الصيف كما في الشتاء. وحين كنت أصل متأخرة كعادتي، لم أكن أتورّع عن تقريعها قائلة: "ما جدوى انتظارك لي في الخارج؟ هل سأصل مبكرة؟" فتجيبني والخوف يقطر من شفتيها: "خفت ألا تعودي". لم تُرزق أمّي بأخٍ، وانتهت سلالة جدي الذي كان وحيد أسرته. ربما لهذا أحبت أمّي أبناءها الذكور وفضّلتهم على الإناث وبالغت في تدليلهم. كانت تخشى أن ترث أمّها في إنجاب البنات. خافت من شماتة النسوة، وكان إنجابها الذكور مصدر فخر كبير لها. كانت تقول، كلما دار نقاش بيني وبين أخوتي الذكور وارتفع صوتي: "اسكتي أنت، شو بيفهمك، هدول رجال بيفهموا أكتر منك". ما الذي يدفعني، بعد مضي عقود على تلك الأحاديث وقراءتي كتبًا كثيرة في علم النفس عن جميع تلك المواضيع التي آلمتني في مراهقتي وصباي، لأن أجمع الأشياء ولا أستطيع رميها؟ لماذا أمشي مثل ألف لا تلتفت مع تقطيبة بين الحاجبين؟ لِمَ أنا متوترة على الدوام؟ هل أحبّ الذكور أكثر من الإناث؟ لماذا أحبُّ الرجال القساة؟ كان عليَّ أن أراجع سيرة أمّي، وأعرف نقاط ضعفها جميعًا، وأنتبه  إلى ما راكمته من كل ما سبق. لا، لن أكون نسخة من تلك المرأة. لن أقضي عمري خائفة من الفقد. سوف أكسر المرآة، وأفتح صرر أمّي صرّة صرّة، وأرمي ما هو زائد عن حاجتي، وأضرم النار فيه. سوف أقطع حبل السرّة وأمضي خفيفة، حرّةً، لا ألوي على شيء.
عن قيد “الخوف”‎

سجن خوفنا السوري، ليس مرتبطًا بمنظومة حكمٍ فحسب، بل بجوٍ اجتماعيّ يربي الخوف فيك من نفسك، من أفكارك،..

مريم س.
عناق من طرف واحد

كان العناق لدى الغالبية أشبه ببضاعة ممنوعة التداول. برغم ذلك، بدا أحيانًا كسرقة لا بد منها، كتدخين..

علي الرميض
سنابل، شُهَدا، وحمام

هل يخجلُ البحر من روح أبي وأرواح الضحايا وهي ترفرف فوقه عاتبةً مكلومة؟ ليس الذنب ذنب البحر البتّة. الذنب..

هلا علي

اقرأ/ي أيضاً