رسائل حبّ إلى روزا لوكسمبورغ

روزا العزيزة: أسكن في المنطقة التي أقمتِ فيها لعام كامل. صحبتني جارتي الألمانية لزيارة بيتك، لكنها لم تخفِ دهشتها أمام اهتمامي بكِ: "من يهتم الآن بروزا لوكسمبورغ؟"

حسنٌ، إنه يوم الأحد. ولأنّي لا أعرف ــــ أنا الغريبة في برلين ــــ ماذا أفعل، قلتُ سوف أذهب إلى الجسر الذي ألقوك منه في قناة لاندفير!

عزيزتي روزا؛

دعيني أخبرك عن أوّل مرة سمعت فيها باسمك:

"مفكّرة حالك روزا لوكسمبورغ ولا سيمون دوبوفوار؟"، قالت أختي وهي تعنفني بسبب أول بادرة تمرّد على العائلة. ثم عرفت في سنواتي الجامعية الأولى عددًا من بنات معارفي الماركسيين الذين يحملون اسمك! يومها، شعرت بالحسد إزاءهن. يا لوقع الاسم!

لأكن صادقة معك، لم أقرأ لك أو عنك الكثير من قبل. وحين أتيت إلى برلين، كان أول ما قصدت زيارته هو تمثال ماركس وإنغلز في ميدان ألكسندر، لأذهب بعدها إلى المقبرة التي ضمت رفاتك ورفاة رفاقك.

ما زلت أذكر تلك القشعريرة التي انتابتني من باب المقبرة إلى النُّصب الذي توسّط الحلقة الدائرية حيث ترقدون. "الموتى يعظوننا"، هذا ما كُتب على النصب. وهذا ما يمكن الحديث عنه الآن: بمَ تعظوننا، وقد أخفقتم! ما الذي كان سيتغير لو انتصرتم؟ ما الذي يجب فهمه وفعله كي لا تتكرر الهزائم؟ ماذا عن هزيمة اليسار في العالم الآن؟ إلام انتهت ثورات "الربيع العربي"؟

الأسئلة تمور في عقلي، وما زلت على الجسر. والماء يجري كأنّه لا يعرف شيئًا عمّا حدث هنا، مع أنّ جثتك المغتالة قضت فيه أربعة أشهر، كما يقولون، قبل أن يعثروا عليها!

قرأتُ كتابك رسائل حبّ[1]. قرأتُ رسالتك إلى هانز من سجنك في صباح 29 حزيران/يونيو 1919:

"كل مساء، حين أكون جالسة أمام النافذة المشرّطة ممدّدة القدمين على كرسي آخر، أتنفس هواء نقيًا وأحلم... يصلني من مكان ما من الجوار ضجيج متواصل لسجاد يُطرق بحماس أو لشيء من هذا القبيل. أجهل تمامًا صاحب هذا العمل ومكانه، لكنّ التكرار المنتظم لهذه الأصوات يشعرني وكأني على علاقة حميمة بهؤلاء الناس".

لا تعرفين شيئًا عن معمل السجاد في قريتنا النائية، الذي أُغلق لأنّه لم يعد بمقدور أكثر السوريين شراء السجاد اليدوي

هذه الأصوات التي تناهت إلى سمعك من بعيد وأشعرتك بالراحة، هذه الأصوات ذاتها آلمتني في آذار لأعوام خلت في سوريا، حين أتى الربيع، وطفقت جاراتي الريفيات تنشرن السجاجيد على الأسطحة. كتبتُ يومها:

"برفقٍ،

برفقٍ، أيتها السيدة التي تضربين سجّادة الصوف بعصاك الغليظة،

ألا تسمعين ثغاء الخراف التي اجتزّوا صوفها،

وبحّة النسّاجة الفقيرة وهي تدندن لحنًا حزينًا

على مدى أشهر ستة قضتها في حياكة سجّادتك.

تردّ السيدة ذات الهراوة بنزق: ما شأنك؟

صوت أزهار تلوي أعناقها بألم..

برفقٍ

برفقٍ، أيتها السيدة!

أزهار السجادة اليانعة تتكسر ثم تهوي على الطريق،

فيما المارة يدهسون الربيع مسرعين".

عزيزتي روزا:

لعلّ المقارنة لم تَرُقْكِ. أنت لا تعرفين شيئًا عن معمل السجاد في تلك القرية النائية في جبالنا. المعمل الذي كان يبتلع في كلّ يوم، من السابعة صباحًا إلى الرابعة بعد الظهر، إحدى عشرة امرأة كبرت ولم تتزوج، ينسجن أجمل السجاجيد من دون أن يقوين على اقتناء واحدة. هذا المعمل أُغلق الآن، ربما لأنّه لم يعد بمقدور أكثر السوريين شراء السجاد اليدوي.

في رسالتك إلى كلارا زتكن، يظهر بوضوح احتفاؤك بالنساء اللواتي استقبلنك وكيف كنت تجسدين الأمل بالنسبة إليهن

حين دعاك رئيس مؤتمر زيورخ للأممية الثانية في آب/أغسطس 1893 كي تلقي كلمة في إحدى الجلسات، كانت القاعة تغصّ بالنشطاء، ولم يكن بين الحضور سوى بضع نساء. سحرتِ الجمهور بعمق تفكيرك. كانت مشاركتك في ذلك المؤتمر تجسيدًا لسيرة امرأة تُعدّ من أهمّ دعاة الاشتراكية في القرن العشرين.

وفي رسالتك إلى كلارا زتكن 1916[2], يظهر بوضوح احتفاؤك بالنساء اللواتي استقبلنك وكيف كنت تجسدين الأمل بالنسبة إليهن، برغم أنّ نضالك لم يكن نضالًا نسويًا، كما يدعونه اليوم:

"عرفت، ولا شك، كيف استقبلتني الرفيقات البرلينيات. كنّ أكثر من ألف حضرن لاصطحابي من أمام مدخل السجن. ثم وصلن إلى منزلي جماعات جماعات كي يصافحنني. كان منزلي ولا زال مكتظًّا بهداياهن؛ آنية زهور، وقوالب الكاتو، ومربيات، وشاي وصابون وكاكاو وسردين وخضار نادرة ــــ كما في بقالة راقية ــــ كلّ هذا حضرته تلك النساء الفقيرات، الطيبات القلب، بأنفسهن وعلّبنه وأحضرنه بأنفسهن. تعرفين ما أشعر به حين أرى كل هذا. أكاد أبكي من الخجل، ولا أجد عزائي إلا في فكرة أني لستُ أكثر من السارية التي علّقن عليها رايتهن، راية الحماس للنضال بشكل عام. في "مارينا دورف"، أقيمت فيما بعد حفلة الشاي التكريمية أثناء أمسية القراءة. ومن جديد، باقة هائلة من الزهور موضوعة على الطاولة. وهذه الوجوه. هذه العيون الجادة البراقة. كنت ستشعرين بالفرح لرؤيتك تينك النساء. حيّاني الرئيس معلنًا أن تظاهرة الثامن عشر من الشهر كانت عفوية تمامًا، وقد بادرت نساء برلين للعودة إليها "لتحية تلك التي افتقدناها كثيرًا، لأنها تحكي، بصراحة، عن أخطاء قادة الحزب لقادة الحزب أنفسهم، ولأنها المرأة التي يفضلون ــــ في الدوائر العليا للحزب ــــ رؤيتها تدخل السجن على رؤيتها تخرج منه...".

كنت آمل مع اندلاع الثورة في سوريا أن تكون النساء جزءًا من هذا الحراك السياسي، لكن التظاهرات كادت تشهد غياب النساء

اشتدّ رواج النسوية بعد موجة "الربيع العربي"، وكثُرت الناشطات النسويات. لكن ما يلفت الانتباه في المشاريع التي يعمل الكثير منهنّ عليها هو تثبيت الصورة النمطية عن المرأة في مجتمعاتنا العربية. فلا انزياحات على مستوى الجندر. وكأن المرأة شخص غير مؤهل لخوض غمار السياسة. كنتُ قد قرأت لك في مقالة حق المرأة بالتصويت والصراع الطبقي:

"إن المرأة العاملة مستقلة اقتصاديًا، وهي منتجة للمجتمع كالرجل. وبهذا لا أقصد عملها المنزلي وتربية الأولاد، حيث بذلك تساعد زوجها الذي ينال أجرًا ضئيلًا. هذا العمل "المنزلي" ليس مُنتجًا ضمن مفهوم النظام الاقتصادي الرأسمالي، بغض النظر عن كمية المجهود والتضحيات والتعب الذي تبذله المرأة. ولذلك لا يتم الاعتراف به ضمن مجتمعنا الحالي. فالنظام الرأسمالي ونظام تحديد الأجور يعترفان بالأعمال التي تنتج فائض قيمة، التي تنتج الربح الرأسمالي. من وجهة النظر هذه، فإن الراقصة التي تعمل في الملاهي الليلية وتجلب أرباحًا لصاحب الملهى هي عاملة مُنتجة، في حين أن العاملة الكادحة التي تعمل داخل جدران منزلها تعتبر غير منتجة. هذا الأمر يبدو وحشيًا ومجنونًا، ولكنه يتوافق تمامًا مع وحشية النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي وجنونه. ومعرفة هذا الواقع الوحشي بوضوح هو المهمة الأولى للمرأة العاملة".

علمت لاحقًا أن كثيرًا من نساء ألمانيا الديمقراطية قد انتحرن بعد توحيد الألمانيتين لأنهنّ خسرن مكاسب كثيرة كان النظام الاشتراكي القائم، على علّاته، قد منحها لهنّ.

أذكر بمرارة تلك الهياكل عديمة النفع التي كانت تمثّل النساء في بلدنا مثل "الاتحاد النسائي". وكنت آمل مع اندلاع الثورة في سوريا أن تكون النساء جزءًا من هذا الحراك السياسي، لكن التظاهرات كادت تشهد غياب النساء. وآلمني استخدام كلمة "الحرائر" بحمولته الدينية، كما يؤلمني فصل النضال من أجل حقوق المرأة عن الصراع الطبقي والمطالبة بالحرية، كأنَّ الأمر مجرد امتيازات ذكورية تحصل عليها النساء.

ها أنا في برلين. اليوم هو الأحد، وأنا وحيدة كما كنتُ في سوريا

روزا العزيزة:

أسكن في فريديناو، وهي المنطقة التي أقمتِ فيها لعام كامل كما قرأت. صحبتني جارتي الألمانية لزيارة بيتك، لكنها لم تخفِ دهشتها أمام اهتمامي بكِ: "من يهتم الآن بروزا لوكسمبورغ؟"

يسعدني أني أمشي أحيانًا في الشوارع التي كنت تمشين فيها. المنطقة بالغة الهدوء، لا يعيش فيها سوى الأثرياء والعجائز. الآحاد هنا مملة كثيرًا.

كنتِ قد تحدثتِ عن مقتك أيام الآحاد: "اليوم أحد، وهو يوم كان على الدوام مشؤومًا عندي. وللمرة الأولى منذ إقامتي هنا، أشعر أنّي بائسة ومتروكة كربّ الناصرة".

يعبر في  ذاكرتي يوم الجمعة، يوم العطلة الرسمية في سوريا، وهو اليوم الذي كانت تخرج فيه التظاهرات في عام 2011. كانت أيام الجمع مصدر فرح بالنسبة إليّ. ومع مرور الوقت، وازدياد العنف ضد المتظاهرين، أخذت مشاعر الخوف تحل محلّ مشاعر الفرح.

ثم بدأت أزمات الطاقة في الظهور. لا كهرباء لا مازوت لا بنزين. وهذا يعني لا حافلات تقلّني إلى المدينة. أنا التي أسكن في قرية بعيدة، كنت أشعر أنني حبيسة جدران غرفتي.

ها أنا في برلين. اليوم هو الأحد، وأنا وحيدة كما كنتُ في سوريا. فلأذهب إلى قناة لاندفير.

كان عليّ أن أستخدم خرائط "غوغل" كي أذهب إلى هناك. ولأنّي حديثة العهد باستخدام الخرائط، فقد أخطأت ومشيت إلى الجسر عبر حديقة الحيوان الشهيرة.

 كم عدد الزائرين الذين يعرفون أنه على مقربة من هنا، رُمي بمناضلة لا مثيل لها!

يعود تاريخ الحديقة إلى عام 1844 ويأتيها 3 مليون زائر في العام. ازدحام بشري، أطفال وشباب وكهول يزورون الحيوانات الحبيسة التي تعيش في بيئة يدّعي القائمون على الحديقة أنها مماثلة لبيئة الحيوان الأصلية!

لكنّي رأيت بطاريق تعيش في حوالي 20 مترًا من المياه، وأحصنة كانت تشق المدى في حظائر ضيقة. وطيور تطير آلاف الكيلومترات محبوسة في أقفاص لا تتعدى الأمتار العشرة. ترى ما الذي يقصدونه ببيئة مماثلة؟

هل يمكنني أن أخمن كم عدد الزائرين الذين يعرفون أنه على مقربة من هنا، رُمي بمناضلة لا مثيل لها!

تقع محمية النسور والصقور بمحاذاة الجسر الذي ألقوك منه. أنت "روزا صقر الماركسية المحلق" كما وصفك لينين وهو ينعيك. لو أنك ألقيت نظرة على تلك الطيور الحزينة لفتحتِ الأقفاص وأطلقتها جميعًا.

تعبر ذاكرتي إحدى رسائلك التي تذكرين فيها أنّك رأيت في إحدى الصباحات الباردة يعسوبًا متجمدًا مقلوبًا على ظهره، فوضعته في الماء الفاتر ثم جففته لينطلق مجددًا إلى الحياة. يا لرقّتك!

أفهم الآن كيف يكون الثوري، لا تنفصل الأشياء عنده ولا يقوى على رؤية حشرة تموت، الأمر الذي ذكرني بالمناضل السوري الشيوعي عبد العزيز الخير. لطالما رأيتُ صوره وهو يلاعب القطط وصورًا أخرى لحمامات تحطّ على كتفه بطمأنينة.

يقول شريك له في الاعتقال إنّه كان يدافع عن حقّ الحشرات في الحياة. اعتُقل الخيّر على طريق المطار!

بين قمع النظام واعتداءات "ثوّار" ملتبسين، التبست "الثورة" في بلدي، يا روزا، واختفى رفيقك.

أفهم الآن كيف يكون الثوري، لا تنفصل الأشياء عنده ولا يقوى على رؤية حشرة تموت، يذكرني هذا بالمناضل عبد العزيز الخير

أطيل الوقوف على الجسر، أتأمل الماء. أشعر بالخوف. لو تعلمين، يا روزا العزيزة كم ابتلعت الأمواج من السوريين وهم يفرّون من جحيم حرب كانت ثورة. وكم قضى في معتقلات النظام وعلى يد جماعات دينية متطرفة.

ترنّ عبارتك في رأسي: "يقف المجتمع البرجوازي على مفترق طرق، إما الانتقال إلى الاشتراكية أو البربرية". لعلّ ما نعيشه اليوم أول الغيث فحسب في الطريق إلى إثبات صدق نبوءتك في وجهها السلبي.

تطوّر العالم بسرعة عمّا كان في زمنك. سبق وأن قلتِ: "تتجلى المرحلة العليا من التطور الصناعي العالمي في الإنتاج الرأسمالي في التطور التقني غير العادي والقدرات التدميرية لأدوات الحرب".

اعلمي، يا روزا، أنَّ ما من أداة للحرب إلا وجُرِّبت في سوريا والعراق إمّا باسم الوطن والوطنية أو باسم الديمقراطية والحرية.

تحضر بشدة، في الزمن النيوليبرالي الحالي، آراؤك حول الشعوب الصغيرة، المحكوم عليها بالعجز السياسي، ووجودها المستقل الذي هو مجرد وهم، ما يحولها إلى كيانات وظيفية يجري التدخل فيها والتحكم بإرادتها من طرف القوى الرأسمالية الكبرى.

وها نحن مواطني تلك الشعوب الصغيرة مشردون في العالم الرأسمالي الرحب، سعيدون باعترافهم بنا. نحن فئران التجارب التي يطبقون عليها مفاهيم الاندماج، ويُفتنون بقدرتنا على التعلّم والمضي في هذا الموكب الرأسمالي المسعور.

عزيزتي،

ها أنا أغادر الجسر، بينما يصله آخرون. يشعّ اسمك من تحت الجسر. أمرّ مسرعة على حيوانات حديقة الحيوان. أشرد في المعتقلات العربية، "سَجٌانُ يَمسُكُ سَجٌان".

أشرد في فكرة الاندماج بعد الكامبات التي يحشر فيها الألمان وسواهم اللاجئين استعدادًا لإطلاقهم في المجتمع الأوروبي.

أشرد في هزيمتنا. وأردد في سرّي كلماتك: "الثورة هي شكل الحرب الوحيد الذي لا يأتي النصر فيه إلا عبر سلسلة من الهزائم".

هل حقًّا ستنهض الثورة غدًا مجددًا؟ هل ستصرخ بأبواق وهّاجة: كنتُ، وها أنذا، وسوف أكون!

 


[1] رسائل حب: روزا لوكسمبورغ، ترجمة نهلة الشهال

[2] المصدر ذاته

ماركس يأخذ بيدي

لم يدر في خلدي يومًا أنني سأزور ألمانيا، لكن مصادفةً قادتني إلى برلين، وأردت أن أزور تمثالي ماركس..

هنادي زرقة
الفرح ليس مهنة الشعراء

كلما خرجت مجموعة شعرية جديدة لي من المطبعة، أفرح ثم أتذكر أن هذه المجموعة صدرت في حين أن سوريين كثر..

هنادي زرقة
رماد في قارورة

أثمّة حنان يسري في تراب الوطن ولا يسري في تراب الغرباء؟ ما هذه الرَّمْنَسَة للموت؟ ما هذه الغربة المقلقة..

هنادي زرقة

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة