"قصار القامة": صورة عن قُرب

في قطاع غزة، أجبرَ العديدُ من قصار القامة المجتمعَ على احترام قدراتهم، وخاضوا غمار المشاركة رغمًا عن أصحاب النظرة النمطية.

"طوله لا يزيد على 125 سنتيمترًا، وكان أولاد الحارة ينادونه نص نصيص عندما كان صغيرًا" تقول أم محمد، إحدى جارات الشاب (ي.م).

الحديث إليه كان صعبًا، "فهو لا يفضّل مقابلة الغرباء ويتحرّج من الحديث عن وضعه لأحد" تضيف الجارة. وهذا ما دفعه لقبول حديثها معنا، بشرط عدم ذكر اسمه أو معلوماتٍ واضحةٍ عنه.

(ي.م) يبلغ من العمر اليوم 35 عامًا، ويقطن في أحد الأحياء المكتظة في غزة منذ 16 عامًا. ووفق جارته، كان ليوم زفافه "قصة لا تُنسى". ففي ذلك اليوم من عام 2009، اكتظت الصالة بمئات النساء اللاتي أتينَ دون دعوة، وكلهنَّ أردن رؤية الفتاة "العادية" التي قبلت الزواج منه.

تتحدث الخمسينية أم محمد عن "ضحك كان يعلو في القاعة كلما همّ الشاب بالرقص مع عروسه"، وتضيف: "تخيلوا! حضرت يومها الشرطة لإخلاء غير المدعوين، لكن عبثًا كانت محاولاتهم، وهو ما اضطر العروسَين للمغادرة قبل أن تكتمل فرحتهم".

(ي.م) أنهى دراسته الجامعية بتقدير جيد جدًا. يمكن الاعتماد عليه في تأدية واجباته المعيشية، وهو ما زاد في رصيد قبوله في قلب وعقل الفتاة التي رضيت الزواج به.

لكن، بحسب الجارة الودودة - وهي مقربةٌ جدًا من عائلته - فإن جارها لا يخرج برفقة زوجته إلا ليلًا، وفي "سيارة طلب" تأخذه من باب بيته إلى حيث يريد تمامًا. "إذ إنه يتعرض للكثير من الكلام الجارح، أو تطارده عيون المندهشين التي تحمل الكثير من التساؤلات، حتى يغيب عن النظر. وهو لذلك يتجنّب مخالطة الناس تفاديًا للحرج، حتى غير المقصود منه، ويهرب من نظرات الناس إليه، لا سيما عندما يكون مع طفلِه الذي أتى بطول أمه تقريبًا".

ولبطل القصة (والحديث للجارة) أخت تملك صفاته ذاتها - أي "قصيرة قامة" - تركت التعليم بسبب التنمّر الذي تعرّضت له من زميلاتها في الفصل، أحيانًا من خلال الأمثالٍ الشعبية التي تقصدُ تحجيمها كلّما همّت بالدفاع عن نفسها وعن حقها في الاندماج بالمجتمع. "احذروا كلّ من اقترب من الأرض" كان يُقال لها. لكنها اليوم التحقت بجمعية لرعاية ذوي الإعاقة. "رفعت ثقتها بنفسها، وبدأت تظهر في الشارع وتمشي غير مكترثة بهمهمات من حولها، لا سيما الأطفال الذين يلاحقونها في الشارع وينادونها: مرة (امرأة) صغيرة".

بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادر عام 2017، يُقدر عدد ذوي الإعاقة في فلسطين بنحو 93 ألفًا، 63% منهم عاطلون عن العمل.

وفي مجتمع قطاع غزة - الذي لا نظن أنه قد يختلف كثيرًا عن باقي المجتمعات - يواجَهُ الشخصُ "المختلفُ" غالبًا بالاستبعاد. الاستبعاد من المجموع الشعبي، أو من التفكير التحاصصي، المسؤولُ عن توزيع المهام على أفراد المجتمع، لا سيما في ما يتعلق بالعمل والتوظيف والمهام التطوعية حتى. ذوو الإعاقة يحاربون كثيرًا من أجل تغيير هذه النظرة نحوهم، ومنهم "قصار القامة"، أو "الأقزام" كما يطلق عليهم العوام هنا.

تقترح رزان، مازحة، اختراع لقاحٍ ضد التنمر، "فليس بيننا أحد كامل"

في قطاع غزة، أجبرَ العديدُ من قصار القامة المجتمعَ على احترام قدراتهم، وخاضوا غمار المشاركة رغمًا عن أصحاب النظرة النمطية، منهم على سبيل المثال لا الحصر علاء مقداد، أو "عمو علوش"، الذي لا يترك فرصةً يستطيع فيها صنع البسمة على وجوه الأطفال هنا دون أن يقتنصها.

يتقدم "علوش" الذي لا يتجاوز طوله 90 سنتميترًا لوحات الدعم النفسي في أوقات ما بعد الحروب، ويقفز بباروكته الملونة بين المرضى في مستشفيات الأمراض المزمنة. يصافح الجميع، ويفرض نفسه في كل عمل خير، وبعيدًا عن كل ما يمكن أن يكون قد عاشه كأحد قصار القامة. إلا أنه خلق من ما قد يراه الناس "عقبة" منفعة، فغيّر نظرة العالم إليه، ولم يعد غريبًا في أي شارعٍ يمضي به نحو طموحه. فالأطفال ألفوه، وصار بالنسبة لهم "عمو علوش، رمز المحبة والتقبّل والمشاركة".

يعرف أهالي القطاع أيضًا أسامة شعبان، الممثل الهمام، الذي لا يتعدى طوله 145 سم، والذي تمكّن من صنع قاعدةٍ جماهيرية تتابع فنّه عن كثب. وفي الحقيقة كان لأسرته دور كبير في ما صنعه عندما لم تبخل عليه بالحب والعطاء، وفق ما صرّح في كثيرٍ من اللقاءات الصحفية التي أُجريت معه.

كان يتحدث لأحد الصحفيين مرةً بثقة، عندما أخبره بأنه كان في المدرسة يشعر بأنه "مُلفت للأنظار". انتبهوا لدقة العبارة، ولكم أن تتخيلوا الباقي.

لم يعد الاستسلام للتنمّر واردًا بالشكل الذي كان عليه مسبقًا. قصار القامة فرضوا واقعًا مختلفًا عندما انخرطوا، وواجهوا القول، والنظرة، والتساؤل، بالأداء العملي على الأرض. هنا لدينا رزان السقا أيضًا.

تخبرنا رزان أنها تطمح لتغيير هذا العالم بقدراتها، وأمنياتها، ونجاحاتها، بعدما غيرت نظرتها للحياة.

وكما غيرها من قصار القامة، تؤكد أن "دعم الأسرة، والأصدقاء" هو الفيصل في نشأة ذوي الإعاقة عمومًا وتشكيل شخصياتهم، أيًا كانت إعاقاتهم، وتقول: "أتيتُ إلى هذه الدنيا بصرخات  مستعجلة. لقد وُلدتُ على باب البيت في تاريخ استقلال فلسطين".

هذا الاستعجال لم يكن يجدر - بالنسبة لها - أن يُقابَل إلا باحترامٍ للحياة، وشكرٍ للنعمة "وإلا فيكون جحودًا" كما تقول. وتسترسل في حديثها: "منذ صغري عاملني أهلي كأي شخص عادي، كانت توكل إلي المهام التي توكل لأي شخصٍ آخر، وكانوا يلحقونني بالمخيمات الصيفية، فأغني وأدبك مع الجميع".

كانت رزان حبيبة معلماتها في الصغر، مشاكسةً عنيدةً في الكبر. فقد جربت وخاضت واقتحمت المجالات كافة، وكل ذلك بهدف تغيير نظرة المجتمع النمطية حيال الأشخاص قصار القامة".

في عام 2014، حصلت على تقدير جيد جدًا في الثانوية العامة. وكانت نصيحة أمها أن تختار تخصصًا تساعد من خلاله من يعانون من إعاقات على اختلافها "لا سيما مصابو الحروب"، فكان "علم النفس". عانت رزان في أول فترات الدراسة من نظرات الأساتذة الذين كانوا يحاولون إقناعها بتغيير تخصصها، "فقد تبدع أكثر في الشريعة أو اللغة العربية"، لكنها أبَت وداهمت الصعب، وتخرّجت لتصطدم بحاجزٍ كبيرٍ يتربّص لقدراتها في سوق العمل.

"في بعض الوظائف التي كنت أتقدم لها، كانت تصلني رسالة جارحة: لستِ لائقة صحيًا للوظيفة المطروحة" تتابع رزان، وتستدرك: "لستُ وحدي، فهذه الرسالة تصل معظم ذوي الإعاقة، وتتحطم عندها الكثير من الطموحات والأحلام".

لم تستلم رزان لقرار استبعادها، فكتبت منشورًا على "فيسبوك" تفاعل معه الأصدقاء والجهات المناصرة لذوي الإعاقة، لتحصل بعدها على عملٍ  كأخصائية نفسية في جمعية "تكاتف" الفلسطينية بمدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة.

ووفق رزان، فإن عدم توفر إحصائيات صادرة عن وزارة الصحة بأعداد الأشخاص قصار القامة في فلسطين، أدى إلى تفاقم مشكلة تهميشهم، خصوصًا لجهة تقلّص فرص العمل المناسبة، وصعوبة استخدام المرافق العامة والمواصلات والخدمات المصرفية وخلافها، وذلك بسبب عدم مواءمة الأماكن لكل الإعاقات.

تحاول رزان تهيئة الظروف من حولها لتتناسب مع طموحها في التمتع بحقوقها كافة، وتقول مبتسمة: "في الوقت الذي ما زلتُ أجد فيه صعوبةً - كقصار القامة كافة - في إيجاد مقاساتي من أحذية وملابس ومستلزمات شخصية، فكرتُ في إنشاء متجر ملابس خاص بقصار القامة، لكن الوضع الاقتصادي الراهن يمنعني من تنفيذها".

تقترح رزان، مازحة، اختراع لقاحٍ ضد التنمر، "فليس بيننا أحد كامل". وهي، إذ تدرك أن التغيير لن يكون وليد يومٍ وليلة، تأمل أن يكون قريبًا. "وحتى يحدث ذلك، على ذوي الإعاقة أن يسيروا في طريق النجاح، دون الاتكاء على كتف أحد". 

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج بتنظيم من الجامعة الأميركية في بيروت ودعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي" International Media Support
* تُنشر بالتزامن مع مؤسسة "فلسطينيات"