هل من مستقبل لملكة جمال التفّاح؟

سيكون التفّاح من أكثر المنتجات الزراعيّة تضررًا من ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الآثار السلبيّة لتغيّر المناخ. كيف ستتأثر هذه الفاكهة في مصر والمغرب والأردن ولبنان؟

"تفّاحةٌ في اليوم، تغنيك عن الطبيب". عبارة شائعة جدّا، يُعاد تاريخ صياغتها إلى بداية القرن العشرين تطويرًا لجملة أخرى انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر. ولكنّها، على عكس أمثال وأقوال شائعة، مهدّدة بالاختفاء في حال استمرار التغيّر المناخي في اتّجاهه السلبيّ عالميّا. فالتّفاح، أحد أشهر أنواع الفاكهة المستهلكة، والذي يعودُ نسله إلى التفّاح البرّي في وسط آسيا (كازاخستان)، من أكثر أنواع الفاكهة تضررًا من التغيّر المناخي. 

يرتبط تأثير تغيّر المناخ على التفاح بعوامل متعددة تجعل من التأثيرات حلقات متّصلة. فالتفّاح يحتاج إلى برودة في الشتاء وإلى اعتدال في الطقس في الفصول الأخرى، ويحتاج إلى مياه الأمطار أيضًا. وتغيّر المناخ يسبّب نقصًا في مياه الأمطار التي يحتاجها التفّاح، وحرارة مرتفعة تضرّ بنموّ الشجر وتغذيته، وصقيعًا في أوقات مختلفة يضرّ بالزهر وتلقيحه. وكلّ ذلك من شأنه أن يزيد من أسعار التفّاح، ويؤثّر بشكل مباشر على المزارعين والعاملين في إنتاجه، وكذلك على اقتصاد الدول المعتمدة على تصديره، أو المكتفية ذاتيًا، أو حتّى تلك التي تستورده.

ولا تقتصر التأثيرات المتّصلة بتغيّر المناخ على العوامل الأساسيّة من مياه وهواء وتربة وحرارة، بل قد تؤثّر عوامل أخرى قد تبدو بسيطة وغير منطقيّة. فالتغيّر المناخيّ، مثلًا، يهدّد أعداد النحل في العالم، وهذا، بحسب تقرير لمنظّمة "الفاو" (منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة) في 2019، قد يقضي على مزروعات كثيرة من بينها التفّاح، إذ إن النحل يلعب دورًا كبيرًا في تلقيح زهر التفّاح.

وتعدّ منطقة شرقيّ المتوسّط والشرق الأوسط نقطة ساخنة بالنسبة لتغيّر المناخ، حيث سيزيد احترارها بمعدّل مرّتين تقريبًا عن المتوسّط العالميّ، وفق تقرير نُشر في مجلّة "مراجعات الجيوفيزياء". ويضيف التقرير أنّ نسبة هطول الأمطار ستنخفض كثيرًا لتسبّب ضررًا في الأمن المائيّ والغذائيّ. أما منظّمة "الفاو"، فتفيد بأن غلّات المحاصيل في إقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا معرّضة للانخفاض بنسبة 20% بحلول 2050.

تعتمدُ دولٌ عربيّة عدّة في اقتصادها الزراعيّ على شجر التفّاح، خصوصًا المناطق المنتشرة على حوض البحر الأبيض المتوسّط. وتحتلُّ هذه الزراعة حيّزًا كبيرًا في مساحات الزراعة في هذه الدول، ولكنّها بدأت تشهدُ، كغيرها من الزراعات في العالم، تأثيرات عدّة من بينها تراجع المحصول أو تضرّره. 

نعرضُ هنا حال زراعة التفّاح في بعض الدول العربيّة التي ستتكبّد خسائر كبرى في حال استمرّت درجات حرارة المنطقة بالارتفاع وتفاقمت الآثار السلبيّة لتغيّر المناخ (علمًا بأن نسبة إنتاج التفّاح مختلفة في ما بين هذه الدول):

تغيّر المناخ وملكة جمال التفّاح في المغرب

قد يكون المستقبل (وليس البعيد ربّما) مُبهمًا للقب ملكة جمال التفّاح في مدينة إيموزار كندر المغربيّة، التي تتوّج ملكة ووصيفة لها كلّ عام خلال المهرجان الوطنيّ للتفّاح في حفل موسيقيّ واستعراضيّ ضخم، علمًا بأن مهرجانات وطنيّة للتفّاح تنتشرُ في مناطق أخرى في المغرب، مثل توبقال وميدلت وإفران.

وبحسب إحصاءات منظّمة "الفاو" للعام 2019، فإنّ المغرب يحتلّ المرتبة 16 عالميّا في إنتاج التفّاح، الذي تستحوذ زراعته على مساحة 500 ألف هكتار، وينتج منه أكثر من 800 ألف طن سنويّا.

وبحسب منصّة "أغري ماروك" الإعلاميّة البيئيّة في المغرب، تقدّر المساحة الزراعيّة في المغرب بـ8.7 مليون هكتار وفقًا لأرقام العام 2017، ويشكّل التفّاح أحد أهمّ الأشجار المثمرة في المغرب. ففي موسم 2013-2014، مثلًا، شكّل 47% من إنتاج الفواكه المثمرة بحسب وزارة الزراعة المغربيّة.

سيكون المغرب عرضة لفيضانات عدة بحسب تقرير للبنك الدوليّ في 2022، علمًا بأنّه تعرّض لعشرين فيضانًا كبيرًا خلال العقدين الماضيين أسفرت عن خسائر كبيرة. وورد في التقرير أنّ التأثيرات الناجمة عن تغيّر المناخ وتوفّر المياه وانخفاض غلّة المحاصيل قد تدفع أكثر من 1.9 مليون مغربي إلى مغادرة المناطق الريفيّة (حيثُ يزرع التفّاح) بحدود عام 2050. وتتكرّر الحوادث الطبيعيّة المتعلّقة بغزارة الأمطار حينًا وبانقطاعها لوقت طويل حينًا آخر في المناطق الجبليّة الريفيّة في المغرب، ما يسبّب أضرارًا للأشجار، وأوّلها التفّاح.

 

تراجع مساحات التفّاح في الأردن

في حال استمرّ تدهور المناخ على حاله، سيبدأ السكّان في الأردن بالتماس النقص في التفّاح، الذي كانت زراعته تحتلّ المرتبة الثانية بعد الزيتون في العام 2012. ويحتاج الأردن إلى 60 ألف طنّ شهريّا من التفّاح، لكنّه أصبح يستورد 55 ألف طنّ فقط، وفقًا لوزارة الزراعة في حزيران/يونيو 2023.

أمّا على صعيد الإنتاج المحلّي، فقد تراجع إنتاج التفاح في منطقة الشوبك جنوب الأردن، حيث كانت تُزرع مساحات شاسعة به، من نحو 45 ألف طنّ سنويًّا قبل 2013 إلى 3,800 طنّ تقريبًا، وفقًا لوكالة الأنباء الأردنيّة في العام 2021.

التغيّر المناخيّ وشحّ المياه، إضافة إلى السياسات الزراعيّة، هو أحد أسباب تراجع زراعة التفّاح، ما سيدفع إلى مزيد من الاستيراد من الخارج إذا ما بقي السوق الخارجيّ ينتج الكميّات نفسها بعد سنوات. وما ينذر بمشكلة في إنتاج التفّاح المحلّي هو أنّ مساحة الأراضي الجرداء زادت بنسبة 150% بين مطلع القرن العشرين والعام 2015، بحسب بحث بعنوان "التغيّرات المناخيّة الحديثة وأثرها على الغطاء النباتيّ في حوض وادي عربة الشمالي".

تفّاح الطقس المعتدل في مصر الحارّة

برغم ارتباط مصر بالطقس الحارّ، وارتباط التّفّاح بالبرودة والشتاء، إلّا أنّ مصر تحتلّ المرتبة 19 عالميّا في إنتاج هذه الفاكهة، فتنتج 726,794 طنًا من التفّاح المزروع على مساحة 28,631 ألف هكتار (إحصاءات منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتّحدة لعام 2019). ويعودُ ذلك إلى اعتمادها على زراعة أنواع التفّاح ذات الاحتياج الخفيف من البرودة الشتويّة.

وتسهم الزراعة بـ12 بالمئة من الناتج المحلّيّ الإجماليّ لمصر، وفق تقرير رسميّ لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصاديّة المصريّة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهي بذلك من القطاعات المهمة في الاقتصاد المصريّ.

ويتوقّع بحث للمفوضيّة الأوروبيّة بعنوان "التغيّر المناخيّ والزراعة في مصر" (2021) أنّ إنتاج المحاصيل الغذائيّة في مصر سينخفض بأكثر من 10% بحلول 2050، وذلك لارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائيّ بالإضافة إلى زيادة ملوحة مياه الري. ويذكر البحث أنّ طلب مصر على الواردات الغذائيّة سيقلّ مع زيادة أسعار الغذاء الناجم عن تغيّر المناخ.

وبما أنّ التفّاح أحد أكثر الفواكه تضررًا من تغيّر المناخ، فإنّ تصدير مصر له واستيراده سيتأثّران بشكل كبير. فبين كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر 2022، كلّف استيراد التفّاح الطازج مصر نحو 265 مليون دولار بحسب مجلس الوزراء المصري.

التفاح وأزمات لبنان المتعدّدة

"تفّاح بلادك إلك ولأولادك"، هكذا اختار وزير الزراعة في لبنان في العام 2019 حسن اللقيس شعار "يوم التفّاح العالميّ"، مصطحبًا معه هدايا تفّاح إلى مجلس الوزراء اللبنانيّ. ويشكّل التفّاح، بحسب تصريحه، 16% من الصادرات الزراعيّة في لبنان. لكنّ وجود لبنان في منطقة أكثر تأثرًا من غيرها بالتغيّر المناخيّ والأزمة الماليّة والاقتصاديّة فيه منذ 2019، هي أمور لا تبشّر بالخير لجهة انعكاسها على زراعة التفّاح على المدى البعيد.

وقد أكّد زياد الخيّاط، مسؤول الشؤون الاقتصاديّة في "الإسكوا" (لجنة الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغرب آسيا)، أن التفّاح سيكون الأكثر تضرّرًا من الزراعات اللبنانيّة، وذلك في أسبوع القاهرة الخامس للمياه في 2022. وأشار إلى حاجة التفّاح إلى نسبة مياه أعلى بـ 20% بسبب تغيّر المناخ، الأمر الذي سيصعب توفيره في لبنان في ظلّ الأزمات التي يعيشها.

كذلك تحدّث رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، خلال مؤتمر أطراف اتّفاقيّة الأمم المتّحدة الإطاريّة لتغير المناخ COP27  في العام 2022 عن دراسات أعدّتها وزارة البيئة اللبنانيّة، تشير إلى أنّ التغيّر المناخيّ سيُخفض الناتج المحلّي الإجماليّ للبنان بنسبة 14% بحلول عام 2040، و32% بحلول عام 2080.

*     *     *     *     *

لن يختفي التفاح في الزمن القريب. ولكنّ التغيّرات التي شهدها تنذر ببداية لا تطمئن لمستقبل التفّاح، بما ينطوي عليه ذلك من تأثير اقتصاديّ. المؤكّد حاليًا أنّ الأسعار ستتغيّر، وأنّ المزارعين في المناطق الريفيّة، في ظلّ غياب سياسات زراعيّة في المنطقة العربيّة، سيكونون أوّل المتضرّرين المباشرين. 

المحرومون من الرعاية الصحية في لبنان

يحتاج حوالي مليوني شخص في لبنان إلى خدمات صحية إنسانية في العام 2022 في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة..

ماهر الخشن
إعادة توطين السوريّين في ألمانيا: رحلة لجوء و"اندماج" عابرة للدول

"بس تطلع بالطيّارة، ما عاد حدا بيعرف عنّك شي"؛ هذا تعبير غازي عن بداية رحلة لجوئه وحيدًا من لبنان إلى..

ماهر الخشن
الرعاية الصحيّة لكبار السنّ في لبنان: العجز في النظام لا في العمر

همّ التأمين الصحّيّ يكون مضاعفًا لدى فئة كبار السّنّ، ليس فقط لحرج أوضاعهم الصحيّة، إنّما لأنّ الجزء..

ماهر الخشن

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة