أملٌ لا يذوي

في ستينيات القرن الماضي، صاغ عالم النفس الأميركي مارتن سيليغمان نظريته الشهيرة "اليأس المكتسب"، وشرح من خلالها كيف يُزرع اليأس في الكائنات الحية عبر إحباط محاولات النجاة بشكل متكرّر. هل ينطبق ذلك على مصر؟

"ارجع يابني على بيتك، ربنا نفسه ما يقدرش يخلع حسني مبارك". لا أنسى أبدًا هذه الجملة التي قالها لي راكب مجهول كان يجلس بجواري في السيارة المتّجهة إلى القاهرة خلال واحد من أيام ثورة يناير 2011، بعدما سألني: "انت رايح فين؟"، لأجيبه "رايح التحرير اخلع مبارك".

لم يكن ما قاله الراكب المجهول تثبيطًا لهمّتي بقدر ما كان خلاصة اليأس الذي زرعه نظام مبارك خلال أعوام حكمه الثلاثين. وكان كثر يتندّرون: حكامنا لا يغيبّهم سوى الموت، بل إنّ الموت ربما نسي بعضهم حتى. 

حالة اليأس تلك أعاد إنتاجها النظام الحالي، وقد عمد منذ يومه الأول إلى تثبيتها بالوسائل كافة في القلوب والنفوس. بل إن البعض صار يبثّ هذا اليأس في محيطه بشكل تلقائي. وبات يُنظر إلى المتفائلين كما لو كانوا "غير طبيعيين"، حتى غدوا إما مجانين أو مدسوسين أو مأجورين أو خلاف ذلك من الأوصاف المفترضة لمن هم "مختلفون" عن السائد. 

في ستينيات القرن الماضي، صاغ عالم النفس الأميركي مارتن سيليغمان نظريته الشهيرة "اليأس المكتسب"، وشرح من خلالها كيف يمكن زرع اليأس في الكائنات الحية، عن طريق إحباط محاولات النجاة بشكل متكرّر وممنهج، وصولًا إلى دفع العقل إلى الاستسلام تمامًا.

جاء سيليغمان بمجموعات من الكلاب، وقسّمها إلى مجموعتين، ثمّ أخذ يعرّضها لصدمات كهربائية مؤلمة بشكل متكرر. وكان يوقف الصدمات الكهربائية عن كلاب المجموعة الأولى إذا ما قاومت، فيما يستمر بصعق كلاب المجموعة الأخرى حتى لو حاولت الإفلات. بعد ذلك، جمع سيليغمان كلاب المجموعتين، وعرّضها للصدمات من جديد، مفسحًا المجال لها لتفادي الصعق والهرب منه بسهولة. النتيجة كانت أن كلاب المجموعة الأولى هربت، بينما كلاب المجموعة الأخرى، التي اكتسبت اليأس، راوحت مكانها، ولم تحاول الهرب حتى. 

لقد زرعت "ثورة يناير" أملًا يمكن أن يُستعاد في أحلك أوقات الإحباط والخوف والضعف والحزن

من أين يأتي الأمل إذًا، إن كان اليأس يُزرع فينا منذ سنوات؟

حين بدأت العمل في القاهرة خلال سنوات المراهقة، كنت أصادف تجمّعات احتجاجية أحيانًا أثناء ذهابي أو عودتي من العمل. وكانت أعداد المشاركين قليلة بالمقارنة مع قوات الشرطة التي تحاصرهم. أتذكر كيف كنت أقف بعيدًا جدًا عن التجمّع الهزيل، أهتف مع المشاركين فيه بصوت خفيض، لا يكاد يسمعه غيري. فآخر ما يريده مراهق بعد أكثر من 12 ساعة من العمل البدني الشاق، هو أن يجد نفسه في ميكروباص ذاهبًا إلى المعتقل. لكني كنت أردد الهتافات في سري ضدّ من ظلمونا وأفقرونا وأمرضونا، بينما يتقاسمون ثروات البلاد. أهتف في سري كي لا أفقد الأمل بمستقبل لا يُرى له ملمح.

ثمّ حصل أن تابعتُ باهتمام شديد، عام 2008، ما حدث في مدينة المحلة التي استبسل أهلها للحصول على جزء يسير من حقوقهم، بعد إضراب بطولي، انطلقت إثره شرارة التضامن والدعوة للإضراب العام يوم 6 أبريل/نيسان. وعقدت العزم على المشاركة بأي شكل من الأشكال. وبالفعل، لم أذهب إلى عملي، بل توجّهت إلى وسط القاهرة وانضممت إلى مئات المتظاهرين، الذين باتت أعدادهم يومذاك غفيرة قياسًا على ما اعتدت عليه.

ولأول مرة، رحت أهتف بصوت عال وبعزم شديد: "يسقط يسقط حسني مبارك!".

ولعلّه لم يكن هتافًا بقدر ما كان صراخًا. وما زلت حتى اللحظة أشعر براحة كلّما تذكرته وأردت أن أتخفّف من هم ثقيل على قلبي. وما زلت أذكر دموعي إذ رحت أفرغ طاقة مكبوتة، في ظل شعوري بأمان نسبي في صفوف المتظاهرين المتضامنين.

يتجلّى الأمل اليوم في أفراد يقارعون الظلم واليأس والتخوين والتحقير، من الأبعدين والأقربين، ولا يسلّمون الراية

مرّت سنوات بعد ذلك اليوم، أحلم خلالها بملايين المتظاهرين في مواجهة الفرعون. كنت أسرح بخيالي فأرى نفسي واقفًا أمام مبنى التلفزيون، وسط سيل عارم من البشر المطالبين بالتنحّي...

يناير 2011

لم يدرك الراكب الكافر بالتغيير، الجالس بجواري في السيارة في يوم من أيام يناير، أن بركانًا يثور بداخلي وأنا ذاهب إلى ميدان التحرير، كي أمتلئ بمشهد حلمت به لسنوات. كانت سيارة واحدة تجمعنا، لكنّ كلًا منا كان في عالم آخر.

بعد وصولي إلى الميدان، توجّهت مباشرة إلى ماسبيرو، ووقفت أهتف وسط الناس "عاوزين بيان، عاوزين بيان". تحقّق ذاك الخيال المستحيل وأصبح واقعًا بعد أيام هي أنبل وأعظم ما احتضنه ميدان التحرير. وسمعت مع الملايين بيان التنحي، وغدا الأمل منذ تلك اللحظة مرضًا مزمنًا صاحبني في كلّ مكان ذهبت إليه. الأمل ذاته الذي يقودني اليوم إلى المشاركة في إكمال الحلم.. واستعادة بلدنا.

لقد زرَعت "ثورة يناير" أملًا يمكن أن يُستعاد في أحلك أوقات الإحباط والخوف والضعف والحزن. هذا الأمل الذي يتجلّى اليوم في أفراد يقارعون الظلم واليأس والتخوين والتحقير، من الأبعدين والأقربين، ولا يسلّمون الراية.

كلّما مرّ يوم من أيام العمل في حملة الانتخابات الرئاسية، أجد نفسي أمام لحظات تعب وإحباط. وفي كلّ مرة، يأتي المدد من شاب صغير يبعث إلينا برسالة تنطوي على آماله، أو آخر ممّن خاضوا رعب السفر عبر مراكب الموت لنيل حياة أفضل، أو من مفكّر أو أستاذ جامعي ما زال في جعبته أمل بأن النفق الذي نمرّ به له نهاية ــــ كالدكتور خالد فهمي الذي أعلن تأييده لأحمد طنطاوي مرشحًا رئاسيًا معارضًا  ــــ وخلاف ذلك مما نقتسمه في مواجهة ظروفنا القاهرة.

إذ، برغم الظروف كلّها، ما زلنا ثابتين في مواقعنا. وما زلنا نعتصم بالأمل. 

* أحمد عابدين هو مستشار للمرشح الرئاسي المعارض في مصر أحمد طنطاوي

مصر و"حماس": مسار العلاقات المتأرجحة

مع دخول الحرب على غزة شهرها السادس، كيف بلغنا احتمال قطع غزة عن مصر تمامًا؟ وما هي مراحل تحوّل العلاقات..

أحمد عابدين
مصر في الـ"بريكس": الكثير من اللاشيء

ما هو المعنى الحقيقي لانضمام مصر إلى مجموعة الـ"بريكس"؟ وهل يمكن معالجة مشكلات مصر الاقتصادية من دون..

أحمد عابدين
كيف نفهم الموقف المصري مما يجري في غزة؟ ‎

يسعى النظام المصري إلى استغلال أجواء الحرب من أجل استعادة قبضته الأمنية التي بدأت تضعُف مع تصاعد..

أحمد عابدين

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة