معبر رفح في اليوم التسعين من الحرب

ما طبيعة القيود على معبر رفح، شريان حياة غزة، بعد ثلاثة أشهر من الحرب الإسرائيلية على القطاع؟

مع دخول العدوان على غزة يومه التسعين، يواجه أهالي القطاع كارثة إنسانية لا تقل عنفًا ولا قسوة عن القصف الإسرائيلي. فقد أدّى نقص المواد الغذائية والطبية ومستلزمات المعيشة إلى بلوغ أكثر من مليونَي إنسان حافة الجوع. ومع تزايد الحديث عن النقص الشديد في إمدادات الغذاء والدواء، تذهب الأنظار إلى معبر رفح، شريان الحياة الوحيد للقطاع بعد إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المنافذ والمعابر كافة.

لكنّ معبر رفح لم يفِ بالغرض المأمول. ففي حين يتجمّع على الجانب الفلسطيني من المعبر عشرات الآلاف من النازحين للحصول على قليل من الطعام، ويعود كثير منهم أدراجه خائبًا دون أن ينال شيئًا، تتكدّس شاحنات المساعدات الإنسانية على الجانب المصري من المعبر.

فما الذي يمنع وصول هذه المساعدات إلى الفلسطينيين في غزة؟

إدارة معبر رفح

يقع معبر رفح في أقصى جنوب قطاع غزة، على الشريط الحدودي الفاصل بين مصر والقطاع، المُسمى "محور فلادلفيا". وقد اعترفت دولة الاحتلال الإسرائيلي بهذه الحدود في معاهدة "كامب ديفيد" عام 1979، بعدما فصلت القطاع عن مصر عقب احتلالها لهما خلال حرب 1967، علمًا أنّ غزة كانت متّصلة بمصر دون حدود منذ حرب 1948. 

ويُعدّ معبر رفح المنفذ البري الوحيد لسكان القطاع بعيدًا عن الاحتلال الإسرائيلي، حيث يسمح بعبورهم إلى شبه جزيرة سيناء ومنها إلى العالم. وتنظّمُ عملَ المعبر اتفاقية المعابر الموقعة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2005 بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وهي اتفاقية ضمّت الاتحاد الأوروبي كطرف ثالثٍ ضامن ومساعد في عمليات المراقبة.

وقد تمّ توقيع هذه الاتفاقية عقب الانسحاب الإسرائيلي من غزة، في ما عُرف بخطة فك الارتباط في آب/أغسطس من العام نفسه. وظلّ الأمر ممسوكًا من السلطة الفلسطينية إلى أن سيطرت "حماس" على القطاع في حزيران/يونيو عام 2007 بعد اشتباكات دامية مع "فتح" عقب فوز الأولى في الانتخابات التشريعية عام 2006.

الكوارث الانسانية، كتلك التي تواجهها غزة، تُعطي المجتمع الدولي الحق في تجاوز مبدأ السيادة لإنقاذ البشر

قبل بداية العدوان الإسرائيلي الحالي على غزة، كان معبر رفح مخصصًا بشكل أساسي لعبور الأفراد من غزة وإليها، وتُشرف عليه من الجانب الفلسطيني هيئة المعابر والحدود التابعة لوزارة الداخلية والأمن الوطني، ويتم ذلك تحت رقابة الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، شكّل معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل المنفذَ التجاري للقطاع، حيث كان مخصصًا لدخول البضائع ومرور الصادرات إلى الأسواق الخارجية حتى شباط/فبراير 2018. حينذاك، قامت الحكومة المصرية بشكل غير معلن ــــ تزامنًا مع تقاربها مع "حماس" ــــ بفتح معبر حدودي تجاري مع غزة باسم "بوابة صلاح الدين"، على بُعد أربعة كيلومترات من معبر رفح. وسرعان ما زادت الحركة التجارية عند المعبر الجديد حتى شكّلت نصف الحركة التجارية للقطاع تقريبًا. غير أن الجيش الإسرائيلي قصفه وأخرجه من الخدمة في الأيام الأولى للعدوان، لتعود بوابة رفح منفذًا وحيدًا للقطاع.

شُحّ المساعدات

وتقول لنا تمارا الرفاعي، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في عمان، إن الأسبوعين الأولين من الحرب شهدا فرض حصار كامل على القطاع، إذ لم تدخل أيّ مساعدات إنسانية. ثم، بدءًا من 21 تشرين الأول/أكتوبر، أخذت الشاحنات تدخل حصريًا من معبر رفح، المعدّ أساسًا للأفراد وغير المهيَّأ لأن يكون معبرًا لوجستيًا.

وتوضح الرفاعي أن نحو 500 شاحنة يوميًا كانت تدخل إلى القطاع يوميًا قبل الحرب، بينها 100 شاحنة تابعة لمنظمات إنسانية، فيما البقية محمّلة بالمواد التجارية المخصّصة للأسواق والمصانع.

وتضيف أن المساعدات التي تدخل القطاع حاليًا هي نقطة في بحر احتياجات الناس، إذ تعبر ما بين 50 و70 شاحنة يوميًا، ويصل الرقم في أحسن الأحوال إلى 100 شاحنة محمّلة بمواد غذائية وطبية وبطانيات وفرشات ووقود، ما يعني أنّ ندرة الموارد تحول دون شراء السكان حاجياتهم حتى لو توافرت لديهم السيولة المالية.

هل مصر مُلزمة قانونًا بعدم إدخال المساعدات؟

تحدثنا إلى مصدر أممي آخر معني بالملف، طلب عدم ذكر اسمه، فأكد أن مصر ــــ في ظلّ الوضع الإنساني الكارثي الحالي في غزة ــــ غير مقيّدة قانونيًا لناحية إدخال المساعدات، وأن لا معاهدة تلزمها بالانصياع لرغبات إسرائيل وطلباتها القاضية بتحديد كمية هذه المساعدات.

وأشار المصدر إلى أن الأمم المتحدة نظّمت عمليات إنزال جوي لمساعداتٍ إلى مناطق محاصَرة خلال الحرب السورية من دون أخذ موافقة النظام السوري، وأنشأت نقاط مراقبة تابعة لها عبر دول محاذية لهذه المناطق. وأوضح أن الكوارث الانسانية، كتلك التي تواجهها غزة، تُعطي المجتمع الدولي الحق في تجاوز مبدأ السيادة لإنقاذ البشر، مضيفًا أن خيار القاهرة الحالي أسبابه سياسية بحتة، ولا علاقة للقيود القانونية به.

في المقابل، أفاد لنا مصدر رسمي مصري، اشترط عدم ذكر اسمه، بأن موقف القاهرة هو "أقصى ما تستطيع فعله في اللحظة الراهنة". وأضاف أن مصلحة مصر تقضي بإدخال أكبر قدر ممكن من المساعدات لمنع عملية تهجير أهل غزة إلى سيناء، "مع ما لذلك من تداعيات خطيرة على الأمن المصري". إلا أن موقف القاهرة أضعف من أن تتمكن من فرض هذا الأمر "بسبب مشكلاتها الاقتصادية وحاجتها إلى الولايات المتحدة وسائر حلفاء إسرائيل وداعميها"، إذ إنها تتجنب كلّ ما قد يولّد تأزمًا داخليًا في ظل أزماتها المعيشية الخانقة.

بعثت الخارجية المصرية بطلبات إلى الدول العربية والإسلامية الوازنة لإرسال وفود رسمية  للمشاركة في إدخال المساعدات، إلا أنها لم تتلقّ أيّ رد

وأضاف المصدر أن مصر، برغم ممارستها السيادة الكاملة على الجانب المصري من المعبر، لا تملك من أمرها شيئًا على الجانب الآخر منه. فالناحية الأخرى منطقةُ حرب معلنة، وإن قامت مصر بإدخال كمية مساعدات غير متفق عليها مع الجانب الإسرائيلي، ستكون شاحناتها عرضة لخطر الاستهداف العسكري، علمًا أن أمرًا مشابهًا حصل في السابق مع السفينة التركية "مافي مرمرة" أثناء محاولتها كسر الحصار على غزة عام 2010.

كما أن خطوة كهذه ستؤدي، بحسب المصدر، إلى خسارة موقف مصر الحالي كأحد أطراف الوساطة بين إسرائيل وفصائل المقاومة، ولن ينجم عن الخسارة شيء على المستوى الدولي، لأن واشنطن ستحمي تل أبيب من أي عواقب دولية لاستهداف الشاحنات، وسينتهي الأمر ببعض التنديد الإعلامي عديم الجدوى.

وكانت تقارير أفادت مطلع الحرب بأنّ إسرائيل أبلغت السلطات المصرية بأنّها ستقصف قوافل المساعدات في حال قررت القاهرة إدخالها عبر رفح، كما صرّح كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير خارجيته سامح شكري بأن الجيش الإسرائيلي قصف الجانب الفلسطيني من المعبر مرات عدّة لإعاقة دخول المساعدات الإنسانية من خلاله.

الموقف العربي والإسلامي

ويأتي الموقف المصري وسط موقف عربي وإسلامي ضعيف، إذ لم تحرك غالبية الدول العربية ساكنًا. وحتى بعد عقد القمة العربية ــــ الإسلامية المشتركة في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، وإصدارها قرارًا ينص على "كسر الحصار على غزة، وفرض إدخال قوافل مساعدات إنسانية عربية وإسلامية ودولية"، فإنّ اللجنة المكلّفة بتطبيق هذا القرار لم تباشر العمل بعد، علمًا أنها مُشكّلة من ممثّلين عن السعودية والأردن ومصر وقطر وتركيا وإندونيسيا ونيجيريا وفلسطين، فضلًا عن الأمينين العامين لـ"جامعة الدول العربية" و"منظمة التعاون الإسلامي".

وقال لنا المصدر المذكور آنفًا إن الخارجية المصرية بعثت بطلبات إلى الدول العربية والإسلامية الوازنة لإرسال وفود رسمية بقيادة وزراء الخارجية للمشاركة في إدخال المساعدات، إلا أنها لم تتلقّ أيّ رد. أما اللجنة المكلفة بتطبيق قرار كسر الحصار منذ نحو شهرين، فـ"يُفترض أن تعقد مباحثاتها قريبًا".

مصر في الـ"بريكس": الكثير من اللاشيء

ما هو المعنى الحقيقي لانضمام مصر إلى مجموعة الـ"بريكس"؟ وهل يمكن معالجة مشكلات مصر الاقتصادية من دون..

أحمد عابدين
أملٌ لا يذوي

في ستينيات القرن الماضي، صاغ عالم النفس الأميركي مارتن سيليغمان نظريته الشهيرة "اليأس المكتسب"، وشرح من..

أحمد عابدين
كيف نفهم الموقف المصري مما يجري في غزة؟ ‎

يسعى النظام المصري إلى استغلال أجواء الحرب من أجل استعادة قبضته الأمنية التي بدأت تضعُف مع تصاعد..

أحمد عابدين

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة