الحرب الروسية-الأوكرانية: نقطة الانعطاف للنسخة الثالثة من "بريتون وودز"

مع بداية الحرب الروسية-الأوكرانية، برزت مؤشرات تفيد بأن النظام المالي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية آخذ بالتحوّل، وباتت مكانة الدولار الأميركي كعملة تداولات واحتياطات معرضة للاهتزاز. تحلل هذه المقالة المؤشرات تلك، في سياق دخول عملات وطنية قوية وعملات رقمية ساحة المنافسة.

Image Credit: Kenzaburo Fukuhara - Pool/Getty Images

غالبًا ما تبدأ التحوّلات التاريخية عند نقطة انعطاف كبير. وعند حصول تحوّلٍ في العلاقات الدولية، تبدأ بعض الدول بالمطالبة ببناء نظامٍ عالمي جديد. وغالبًا ما يتضمن هذا الدعوة إلى "بريتون وودز (Bretton Woods)" جديدة، تؤسس لتغيير النظام المالي الذي يسيطر على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الدعوات لا تتجاوز إطار عقد المؤتمرات وإطلاق التصريحات. في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2008 – ومع غرق العالم في أسوأ أزمةٍ مالية منذ "الكساد الكبير" عام 1929 – دعا الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون، إلى اتفاقية "بريتون وودز جديدة"، وإلى إعادة التفكير بإنشاء نظامٍ عالمي جديد لتحقيق الاستقرار في التمويل الدولي في القرن الحادي والعشرين. انضم إليهما في أوائل عام 2009 محافظ البنك المركزي الصيني، تشو شياوتشوان، الذي ربط غياب الاستقرار بعدم وجود عملةٍ دوليةٍ حقيقية. وفي أيلول/سبتمبر 2018، دعا السناتور بيرني ساندرز، المرشح الرئاسي الأميركي السابق، إلى "بريتون وودز الجديدة التقدمية" لمكافحة صعود ما أسماه "الاستبداد الذي يمثله دونالد ترامب"، وقال إن مصير العالم على المحك. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، قالت كريستالينا جورجييفا، المدير العام لصندوق النقد الدولي، إن العالم يواجه "لحظة بريتون وودز جديدة"، فقد كبّدت جائحة "كورونا" العالم خسائر فادحة في الأرواح، وتسببت في كارثة اقتصادية، كما تزامنت مع يأس إنساني ناجم عن الاضطرابات والفقر. مع كل هذه التصريحات، لم ترتقِ المناداة بإصلاح النظام العالمي أو حتى تغييره إلى تطبيق فعلي. يتمثل السبب الرئيس لهذه المعضلة في عدم رغبة الولايات المتحدة باتخاذ خطوة في اتجاه التغيير، وهي التي اعتادت على قيادة التحولات التاريخية وتوجيهها منذ الحرب العالمية الثانية. يومذاك، أعادت الولايات المتحدة هندسة نظام عالمي جديد من خلال عقد مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي في منتجعٍ معزول في بريتون وودز في نيوهامبشر في العام 1944. وفيه أُنشأ نظام سعر الصرف الثابت، رُبطت بموجبه جميع العملات المحلية بالدولار الأميركي الذي كان قابلًا للتحويل إلى الذهب بسعر ثابت. وقد عزز هذا الارتباط بالمعيار الذهبي مكانة الدولار الأميركي كعملة مهيمنة في العالم.

نقطة الانعطاف

يمكن القول إن الحرب الروسية-الأوكرانية هي نقطة الانعطاف الجديدة لمرحلة التحول التاريخي التي بدأت منذ حوالي خمسة عقود، بالتحديد في 15 آب/أغسطس 1971، عندما وجه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ضربة إلى "بريتون وودز" عبر خطاب تليفزيوني أعلن فيه فصل الدولار عن الذهب، ليُنهي بهذا العمل الاتفاق الذي وضعت شروطه بلاده منذ البداية. ومنذ ذلك الحين، ظهرت نسخة مختلفة من النظام النقدي العالمي، وأصبح الدولار مثل معظم العملات، غير مدعوم بالذهب، وليس له قيمة جوهرية، وسعر صرفه متقلّب. وبدا الدولار حقًا كما لو أنه يفقد مركزه. لكنه بقي العملة الأكثر موثوقية في التداول الدولي، واستطاع الحفاظ على موقعه كعملة احتياط دولية بفعل ما يعرف بـ"البترودولار"، وهذا جزء مهم من قوة الولايات المتحدة وهيمنتها على دول العالم واقتصاداتها.
ثمة دول لم تعد ترغب بأن تقود الولايات المتحدة مرحلة التحول التاريخي
تختلف نقطة الانعطاف الراهنة عن نقاط الانعطاف السابقة، لجهة أننا نعيش في عالم مختلف، حيث تمتلك العديد من الدول عملات موثوقة وأكثر استقرارًا من الدولار الأميركي، وعملات رقمية خارجة عن سيطرة المصارف المركزية للدول، وحيث لم تعد بعض الدول ترغب بأن تقود الولايات المتحدة مرحلة التحول التاريخي. تعمل روسيا والصين لانتزاع "الامتياز الباهظ" للولايات المتحدة، الذي اتضحت معالمه من خلال البيان الروسي-الصيني المشترك، المؤلف من 5,000 كلمة، والذي ذُكرت فيه الولايات المتحدة ست مرات في سياق مقاربة نقدية، وأُعلن فيه عن العمل على "إعادة توزيع القوة في العالم".

الصين

شكّل إخراج الولايات المتحدة البنكَ المركزي الروسي من نظام الدولار تغييرًا لقواعد اللعبة، إذ أوضح أن القوة المالية للولايات المتحدة يمكن أن تعمل من دون قيود قانونية، ما رفع من إحساس دول أخرى بالمخاطر المالية التي ينطوي عليها النظام السائد. وأظهرت هذه الخطوة نظام المعاملات المالية اللامركزية بشكل أكثر جاذبية أيضًا، فاتجهت الدول غير المتحالفة بشكل مباشر مع الولايات المتحدة إلى تقليل تعرضها لنظام الدولار وإلى البحث عن بدائل. البديل هو ما كانت تعمل عليه الصين منذ فترة طويلة. إذ لدى الصين ما يسمى باتفاقيات تبادل العملات مع عشرات البلدان لتجاوز نظام الدولار، لكن العقوبات على روسيا جعلت الصين تشعر "الآن" بالحاجة إلى تطوير نظام دفع يركز على اليوان للمعاملات الدولية. وآخرها ما تم من خلال المفاوضات الصينية السعودية لاستبدال الدولار البترولي باليوان البترولي. وعلى مدار العام الماضي، كان المزيد من الدول يستعد لتطوير العملات الرقمية الوطنية. لكن يبدو أن الصين ما تزال في الصدارة مع تسارع تطويرها اليوان الرقمي وتبنيه، وهو ما قد يشكل "صدمة نيكسون جديدة".

روسيا

على المدى القصير، يبدو التقارب الاستراتيجي مع المؤسسات والخدمات الاقتصادية والمالية الصينية هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق لروسيا بغرض امتصاص صدمة العقوبات. بعد مغادرة "فيزا" و "ماستركارد" لروسيا، من المقرر أن تحل UnionPay الصينية محلهما. هذه ليست سوى علامة واحدة على اتفاقية "العصر الجديد" التي وقعتها الصين مع روسيا مؤخرًا وروّجتا لها قبل 20 يومًا من تاريخ الحرب الروسية-الأوكرانية. على المدى الطويل، من المرجح أن تعمل روسيا على تعزيز "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" الذي شكل من العام 2014 المبادرة الجيو-اقتصادية الخاصة بروسيا لتدعيم نفوذها إلى أقصى حد ممكن في دول الاتحاد السوفيتي السابق (روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان) وذلك من خلال الاعتماد على نظام تجاري يهيمن عليه الروبل. من المرجح أن تدفع روسيا باتجاه اتحاد نقدي في هذه المنطقة، وهي الفكرة التي دافع عنها بوتين ورئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو لسنوات.

الدولار والعالم

هل هناك تهديد حقيقي في الوقت الحالي لوضع الدولار الأميركي كعملة احتياطية في العالم؟ على المدى القصير، تبدو التوقعات بفقدان الدولار مكانته كعملة احتياطية في العالم نتيجة تداعيات العقوبات الروسية "مبالغًا فيها". فقد مرّ أكثر من نصف قرن على ما يُسمى "صدمة نيكسون"، ولا يزال الدولار محتفظًا بموقعه كعملة احتياطية رائدة، فهو يمثل ما يقرب من 90% من العملات الأجنبية ونحو 60% من الاحتياطيات الأجنبية. على المدى الطويل، قد ينتقل العالم إلى نظامٍ نقدي متعدد العملات كذاك الذي دأبت الصين على الدعوة إليه. قد نشهد أيضًا نشوء نظامٍ يعتمد على العملات الرقمية التي تُصدرها البنوك المركزية، علمًا بأن تغييرًٍا كهذا سيستلزم بعض الوقت. العالم يمرّ اليوم بمرحلة انتقالية، وهذا الانتقال سيكون شديد الفوضى. أثناء التفاوض الدولي لحل الصراع الروسي-الأوكراني، إن لم يؤخذ بالاعتبار التشابك بين القوة الجيوسياسية الغربية (خصوصًا الولايات المتحدة) والقوة الجيو-اقتصادية في شرق آسيا (خصوصًا الصينية)، فإن ذلك يمكن أن يشكل تهديدًا استراتيجيًا كبيرًا للغرب عمومًا والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص. حيث يُرجّح أن يمتص الاقتصاد الصيني ومبادرة "الحزام والطريق" الإمكانات الاقتصادية والجغرافية لروسيا والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وهذا ما يدعم وجهة نظرنا بأن الوقت قد حان لإصدار النسخة الثالثة لـ"بريتون وودز". لكن، بالتأكيد، عندما ينتهي الصراع الروسي-الأوكراني، ستكون الصين هي المستفيد الأول، فيما ستكون أوكرانيا الخاسر الأكبر، وسيكون الدولار الأميركي أضعف مما هو الآن، في مقابل عملاتٍ وطنية تطالب بنصيبها من المعاملات الدولية. كما يُرجح أن ينشأ نظامٌ نقديٌ يحتوي على قائمة احتياطي العملات الأجنبية متعددة الأقطاب، ما يعني أن قيمة العملات ستتغير. الواضح كذلك أن موقع الدولار الأميركي يواجه تحديات من أدوات مستجدة مثل العملات الرقمية، وكذلك من ترتيبات جيوسياسية جديدة.
سوريا: الأهمية الجيوسياسية في خريطة النفط والغاز

قد لا يكون لدى سوريا الكثير من النفط والغاز لتشكل مصدر قلق "جوهري" للدول الفاعلة في صناعة الطاقة، غير أن..

رشا سيروب
عودة اللاجئين السوريين من تركيا: قضايا مقلقة

قضيتان على درجة عالية من الخطورة أثارهما مجلس الأمن القومي التركي في اجتماعه الأخير: شروط العودة..

رشا سيروب
المحرّك الخفي لكبح جماح التضخم في سوريا

غالبًا ما يتفاعل التضخّم المرتفع مع الحروب والصراعات. لكنّ هذا لا يعني أن السياسات الاقتصادية منه براء...

رشا سيروب

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة