هوية الاقتصاد السوري في دستوري 1973 و2012

لطالما عانى الاقتصاد السوري من حال فصام بين هويته “الاشتراكية” بحكم الدستور، وهويته “الرأسمالية” بحكم الواقع. ومع صدور دستور 2012، يمكن القول إن حالة الفصام انتهت لصالح تشريع اقتصاد السوق الحر، ولم يعد على السياسات الحكومية سوى التطبيق على الأرض.

برغم عدم تضمين أحدث دستور سوري مصطلحًا صريحًا يحدّد هوية الاقتصاد في سوريا، وبرغم إلغاء صفة الاشتراكية عن الاقتصاد وعن شكل الدولة توخيًا لـ"الحياد"، إلا أن الهويّة، في الحقيقة، كامنة في التفاصيل.

فصام في الهوية الاقتصادية

لطالما عانى الاقتصاد السوري من حال فصام بين هويته الدستورية "الاشتراكية"، وهويته "الرأسمالية" بحكم الواقع، حيث وُسم الاقتصاد في سوريا لأول مرة بأنه "اقتصاد اشتراكي مخطّط" في الدستور المؤقت الصادر عن القيادة القُطرية لحزب "البعث العربي الاشتراكي" عام 1969 (والمعدّل عام 1971)، وفي الدستور الدائم الصادر عام 1973. لكن السياسات والقوانين الاقتصادية بدأت تنحو منحىً رأسماليًا منذ صدور قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991، حيث أُعطي للقطاع الخاص هامش أكبر من الحرية الاقتصادية، التي أخذت معالمها تتضح بدءًا من مطلع الألفية الثالثة، قبل أن تتبلور عام 2005 مع تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي رفع حزب "البعث" شعاره يومذاك، وتم تبنيه في الخطة الخمسيّة العاشرة (2005-2010)، علمًا بأن كلّ ذلك تم في ظل "اقتصاد اشتراكي مخططّ" وفق الدستور.

الهوية الاقتصادية في دستور 2012

ومع صدور دستور 2012، يمكن القول إن حالة الفصام في الهوية انتهت، ولم يعد للنظام الاقتصادي هوية محددة دستوريًا، إذ أُلغيت سمة "الاشتراكية" الملازمة للاقتصاد، وحلّ مكانها القطاع الخاص شريكًا للقطاع العام في الاقتصاد الوطني، وقد ورد هذا في المادة /13/ التي نصّت على أن "يقوم الاقتصاد الوطني على أساس تنمية النشاط الاقتصادي العام والخاص...". وبهذا، تحوّل الجدل الفكري إلى تساؤل حول طبيعة الأيدولوجيا الاقتصادية للدولة بعد التخلي عن الاشتراكية دستوريًا. وباعتبار أن الدستور ليس وثيقة قانونية بحتة، كما أنه ليس مجرد بيان سياسي، بل أيضًا وثيقة اقتصادية تعبر عن التطلعات الاقتصادية للدولة، يمكن القول إن المواد الست في المبادئ الاقتصادية لدستور 2012 كانت كافية لتحديد الهوية الاقتصادية للدولة. ومن خلال المقارنة بين دستوري 1973 و2012، نجد أن الأخير شكّل ميثاقًا قانونيًا لاقتصاد السوق الحر، وهيّأ الظروف الضامنة لقيامه. إذ غيّر أسماء التصنيفات لأنواع الملكيّات، وجرّدها من المفاهيم الاشتراكية، فعُدلت "ملكية الشعب" التي كانت وفقًا لدستور 1973 تشمل "الثروات الطبيعية والمرافق العامة والمنشآت والمؤسسات المؤممة أو التي تقيمها الدولة"، لتصبح "ملكية عامة" تشمل "الثروات الطبيعية والمنشآت والمؤسسات والمرافق العامة". بهذا، بات ممكنًا بيع جميع المؤسسات والمنشآت المملوكة للدولة كليًا أو جزئيًا، من خلال ما أسس له قانون الشركات رقم 29 لعام 2011 (قبل صدور دستور 2012)، والذي أضاف نوعًا جديدًا من الشركات، هو "الشركات المساهمة المملوكة بالكامل للدولة"، المعرفة بموجب المادة /6/ من القانون بكونها "شركات مساهمة... تكون الدولة، ممثَلةً بالخزينة العامة، أو واحدة أو أكثر من الجهات العامة، مالكةً لأسهمها بالكامل، ولا يجوز طرح أسهم هذه الشركات أو جزء منها للتداول إلا بموافقة مجلس الوزراء"، أي أن القانون أجاز بيع الأملاك العامة بعد تحويل هذه المؤسسات إلى شركات مساهمة.

برغم قلّة عدد المواد الاقتصادية في الدستور الاشتراكي، إلا أن مادتين منها حُذفتا

جاء هذا على خلاف التعامل مع الملكية الخاصة (التي كانت تعرف بـ"الملكية الجماعية والفردية" في دستور 1973) التي حظيت برعاية وحماية شديدين، إذ حظر دستور 2012 مصادرة الملكية الخاصة إلا "لضرورات الحرب والكوارث العامة"، وفي حال المصادرة يجب أن يكون "التعويض معادلًا للقيمة الحقيقية للملكية"، وهو ما لم يكن منصوصًا عليه في الدستور القديم. وأضيفت بعض الكلمات (على مواد الدستور القديم) ليصبح الدستور الجديد سور حماية أمام احتمال مصادرة الملكية الخاصة، حيث أضيفت كلمة "بمرسوم" إلى الفقرة التي تنص على عدم جواز نزع "الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة"،  وعبارة "مبرم" إلى الفقرة التي تنص على أن المصادرة الخاصة لا تُفرض "إلا بحكم قضائي"، وبهذا نجد أن الدستور الجديد حرص على توفير الضمانات الواجبة لعدم مصادرة الملكية الخاصة، علمًا بأن هذه الضمانات هي من أهم شروط اقتصاد السوق. وبرغم قلّة عدد المواد الاقتصادية في الدستور الاشتراكي، حيث يبلغ عددها ثماني فقط، إلا أن مادتين منها حُذفتا؛ المادة /18/ التي نصت على أن "الادّخار واجب وطني تحميه الدولة وتشجعه وتنظمه"، والمادة /20/ التي ورد فيها أن "استثمار المنشآت الاقتصادية الخاصة والمشتركة" يهدف "إلى تلبية الحاجات الاجتماعية وزيادة الدخل القومي وتحقيق رفاه الشعب"، وفي هذا تُرك للقطاع الخاص الحرية في اختيار مشروعاته بصرف النظر عن مدى تناسب أنشطته مع الحاجات الاجتماعية ورفاه الشعب.

الخدمات الاجتماعية

ولم تكن الخدمات الاجتماعية والثقافية والصحية بعيدة عن التحوّلات في بنية الفكر الاقتصادي للدولة، ففي حين كانت "الدولة تكفل الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية، وتعمل بوجه خاص على توفيرها للقرية لرفع مستواها"، أصبحت المجالات الاجتماعية والثقافية "أركانًا أساسية لبناء المجتمع" فحسب في الدستور الجديد. أما لجهة النظام التعليمي، فقد شرّع دستور 2012 التعليم المأجور بأشكاله المختلفة التي كانت سائدة في ظل دستور 1973، والذي كفل مجانيته كما ورد في نص المادة /37/ "التعليم حق تكفله الدولة وهو مجاني في جميع مراحله"، لكنه أضاف إليها في الدستور الجديد ما يفيد بأن القانون ينظّم "الحالات التي يكون فيها التعليم مأجورًا في الجامعات والمعاهد الحكومية"، وينظم كذلك "إشراف الدولة على مؤسسات التعليم الخاص". ويمكن القول، بناء على ما سبق، إن دستور 2012 شكّل وثيقة اقتصادية واضحة المعالم، تم من خلالها تعريف الهوية الاقتصادية الوطنية على أنها اقتصاد سوقٍ حر. ويمكن أن نخلص إلى إن السياسات الحكومية على مدى السنوات العشر الماضية (تجميد الوظائف العامة، ورفع الدعم وأسعار الطاقة، وزيادة رسوم الخدمات الاجتماعية، وإصدار القوانين المشجّعة على الحرية الاقتصادية) لم تكن وليدة الضرورات الاقتصادية ومقتضيات التكيّف خلال الحرب وبسبب العقوبات، بل كانت تطبيقًا لأيديولوجيا السوق الحرة التي أسس لها دستور 2012 الأرضية القانونية والشرعية.

 

الإمبراطور المؤدلج.. رأسه أو الحرب

على الأغلب أن الأميركيين هم خلف حملة تحريض النخبة الصينية وبث الخوف لدى الرئيس الصيني "شي"، ليتجه نحو..

حسام مطر
في موازنة 2023 السوريّة: نظام ضريبي للأثرياء

أدى دعم دخل رأس المال والاعتماد على ضرائب الاستهلاك غير المباشرة إلى خلق نظام ضريبي تنازلي بشكل متزايد..

رشا سيروب
الصين والغرب: دوافع الصراع

كيف يمكن تفسير مقاربة بكين للعلاقة بالجوار الصيني، الذي ينتقل سريعًا إلى التحالف مع الولايات المتحدة..

محمد صالح الفتيح

اقرأ/ي أيضاً