مونديال الحمولات الزائدة

عام 1994، حال فارق الأهداف دون وصول المنتخب السوري إلى المونديال الأميركي. أما انتخابات مجلس الشعب فقد أجريت في موعدها، و"انتخب" الشعب 250 عضوًا من جديد. ماذا عن حال سوريا ومنتخبها في سائر المونديالات، منذ العام 1986؟

مقدمة إيطالية

"فوزوا، أو موتوا".. مع كل مونديال، تعود العبارة المنسوبة إلى الديكتاتور الإيطالي بينيتو أندريا موسوليني إلى التداول خلال استعراض محطات فارقة في تاريخ كأس العالم منذ نسخته الأولى، لكنني مع هذا المونديال انتبهت إلى حجم المفارقة الهائلة التي تنطوي عليها.

ترِد مقولة الديكتاتور الإيطالي - التي لم تثبُت صحتها - بروايات متباينة اللفظ: الفوز أو الموت، فوزوا أو ستموتون، فوزوا أو.. (مع إشارة قطع العنق)، لكن المشترك بينها جميعًا أنها منحت لاعبي المنتخب الإيطالي في مونديال 1938، كما تقول الرواية، خيارين اثنين!

لا تبارح هذه المفارقة ذهني في الأسابيع الأخيرة، بينما أفكر في شعوب بأكملها لا تجد أمامها سوى "خيار" وحيد لا شريك له: الموت، ولو تعددت طرقه.

***

مع أول إمطار حقيقي هذا الشتاء غرقت شوارع اللاذقية. لا يمكن عدّ الأمر مفاجئًا، إذ بات أشبه بثيمة تتكرر كلّ عام. ما بدا لي جديدًا هذه المرة هو إبداع البعض في تبرير فشل مجلس المدينة عبر تكتيك "لوم الضحية" لنقرأ عبارات مثيرة للشفقة مفادُها أنّ إهمال السكان للنظافة وما يتضمنه الإهمال من خرق للقوانين كان سببًا رئيسًا في الغرق.

 المكسيك 1986

كان هذا أول مونديال أعيه. لم يتأهل المنتخب السوري في ذلك العام رغم أنه اقترب كثيرًا، لكنّ تعادلًا سلبيًا مع المنتخب العراقي في ملعب العباسيين بدمشق، ثم خسارة في مباراة الإياب التي أقيمت في مدينة الطائف السعودية بنتيجة 3 / 1 أطاحا بالفرصة بعدما "وصلت اللقمة إلى الفم".

لم أكن أعرف شيئًا بالطبع عن انتخابات مجلس الشعب في سوريا، لكنني اكتشفتُ لاحقاً أنها أُجريت في ذلك العام متأخرة عن موعدها المفترض في العام الذي سبقه.

بفضل تلفاز كبير الحجم بالأبيض والأسود في بيت جدي بحلب، تابعتُ الكثير من مباريات مونديال المكسيك بلا تعقيدات هائلة، أو بحث مُضنٍ عن قنوات مفتوحة. لا أتذكر إطلاقًا ما كانت ماركة ذلك التلفاز الذي تراقص داخله دييغو أرماندو مارادونا مرارًا، وأبهر المنتخب المغربي العالم بفوزه على البرتغال في دور المجموعات، وتعملق حارس المنتخب الفرنسي جويل باتس وهو يُقصي "منتخبي" البرازيل بضربات الترجيح من الدور الربع النهائي.

الغريب أنني في الشهور الأخيرة صرت شديد الاهتمام بماركة ذلك التلفاز، وحاولت كثيرًا أن أعرف عدد بوصاته، فلم أفلح. سبب الاهتمام المفاجئ وقوعي بمحض الصدفة على قانون "ضريبة التلفزيون" الذي صدر في سوريا ذلك العام بالرقم 28، وينص على فرض رسم مالي مقطوع على كل جهاز تلفاز: للملوّن رسمُه، وللأبيض والأسود رسمُه، وللبوصات حساباتها.

"هل شاهدنا المونديال تحت رعاية التهرب الضريبي؟ أم أن جدّي سدد ضريبة تلفازه؟"، لم أتعذب كثيرًا في الحصول على إجابة، فسرعان ما تبينتُ أن الضريبة أُقرت بعد انتهاء المونديال بأشهر، وتنفست الصعداء. تخيل أن ينجح أحد في التهرب من ضريبة في هذه البلاد!

***

أعود من جديد لأقرأ منشورات تلك الفئة التي حمّلت الشارع مسؤولية "عجز مجارير تصريف المياه"، وقلة الاهتمام بالنظافة، ومخالفة قوانينها. يتناسى البعض (أو ينسى) تفصيلًا شديد الأهمية في مسألة علاقة الناس بالقانون في أي مكان من العالم، وهو أنّ ضمان تنفيذ القوانين جزء أساسي من مهمات من يصدرون القوانين! أنت تصدر قانونًا ما، مستندًا إلى سلطةٍ ما، حُزتها بطريقة ما، وتحدد نطاقاته وموجباته، وسبل تطبيقه، وآلياتها، وعقوبات من يخالفه، وقد تُحصل ضرائب بموجبه.. إلخ. إن طُبّق جيدًا فلأنك عرفت كيف تضمن ذلك، وإن تحول مجرد حبر على ورق فلأنك أردت ذلك، أو في أحسن الأحوال لأنك فشلت في ضمان تطبيقه!

في سوريا مثلًا سوابق عديدة تقول إن تطبيق القوانين والقرارات عادةً ما ينجح بشكل لافت حين يُراد نجاحه، يتذكر كثرٌ بلا شك كيف طُبق منع التدخين في الأماكن العامة في الفترة التي تلت إقراره مباشرة عام 2009، يوم كان "السمن والعسل" يجري في عروق "الشراكة الأوروبية المتوسطية"، وإن لم نشأ الذهاب بعيدًا تمكن العودة إلى قرارات الإغلاق والقيود المرتبطة بـ "كوفيد 19" قبل نحو عامين.

إيطاليا 1990

 تافاريل.. تافاريل.. لسبب لا أفهمه ظلّ اسم الحارس البرازيلي عالقًا في ذهني رغم أن البرازيل خرجت من دور الـ16 أمام الأرجنتين، لكني إلى اليوم أكاد أسمي كلّ حارس برازيلي "تافاريل"، بطريقة تشبه خلطي حتى وقت قريب بين اسم كل رئيس لمجلس الشعب السوري، وبين صاحب أطول فترة في رئاسته عبد القادر قدورة (1988 – 2002).

في هذا العام أيضًا أجريت انتخابات لمجلس الشعب السوري، وقد زاد عدد أعضائه ليصبح 250 بعدما كان 195 في الدورة السابقة. فيما سيضطر عشاق المونديال إلى الانتظار أعوامًا طويلة قبل أن يزيد عدد الفرق المشاركة فيه.

لم يذهب المنتخب السوري بعيدًا في التصفيات، وخرج من الدور الأول. لكن الخزينة السورية كسبت في ذلك العام رافدًا جديدًا عقب إقرار القانون رقم 19 الذي نصّ على استيفاء "رسم اغتراب" من المغتربين السوريين ومَن في حكمهم، يبدأ بـ 50 دولارًا، ويصل إلى 700 عن كل عام اغتراب، وفقًا للشريحة التي ينتمي إليها كل مغترب.

يُروى أن جماهير نابولي رفعت لافتات كُتب فيها: "عُذرًا مارادونا، إيطاليا بلدُنا" وأن تلك التصريحات أثارت غضب المافيا الإيطالية

***

يكتبُ الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (شارل لوي دي سيكوندا) في مقدمة كتابه البديع "روح الشرائع" متمنيًا "لو كنت قادرًا على تزويد جميع الناس بأسباب جديدة يحبون بها واجباتهم ووطنهم وقوانينهم، ويشعرون بأنهم سعداء في كل بلد وكل حكومة وكل مركز يكونون فيه؛ لعددتني أسعد الناس".

الآن، بينما أستعيد هذا الاقتباس أتذكر رفيقًا عتيقًا كان "غارقًا إلى شوشته" في حب المادة الثامنة من الدستور السوري، ولا أدري إن كان إلغاؤها المفترض سببًا لانتقاله إلى الضفة الأخرى ليصبح معارضًا شديد الشراسة في مهاجمة حزب "البعث"، ومشجعي المنتخب الكروي السوري على حدٍّ سواء.

الولايات المتحدة 1994

حال فارق الأهداف دون وصول المنتخب السوري إلى المونديال الأميركي، وصعد المنتخب الإيراني على حسابه إلى المرحلة الثانية من التصفيات. أما انتخابات مجلس الشعب في سوريا فقد أجريت في موعدها، و"انتخب" الشعب 250 عضوًا من جديد.

في ذلك المونديال أضافت البرازيل نجمتها الرابعة. لا أتذكر مشاعري وقتها، ومقدار فرحي. كما لا أتذكر حجم خيبتي من عدم تأهل المنتخب السوري، لكنني أتذكر بأدق التفاصيل أننا عددنا أنفسنا ناجين من كارثة وقعت قبل المونديال بشهرين في اللاذقية نفسها. كنا قد انطلقنا من حلب في رحلة مدرسية نحو الساحل السوري، وكان المخطط أن يكون رأس البسيط وجهتنا الرئيسة، غضبنا يومها حين قرّر المشرفون على الرحلة تغيير المسار، ثم شكرنا القدر نحن وأُسرنا حين علمنا بالكارثة التي حلّت يومها في تلك المنطقة المنكوبة: غرق قارب يقل رحلة مدرسية لتلاميذ في المرحلة الابتدائية، ما أودى بحياة نحو خمسين ضحية بين طفل ومشرف، بسبب "الحمولة الزائدة".

هل نجونا فعلًا؟ أتساءل اليوم بينما تتزايد أعدادنا نحن مكونات "الحمولة الزائدة" بتسارع مخيف. بالطبع لا أصل إلى جوابٍ شافٍ، كما أنني لا أصل إلى معلومة قاطعة توضح من تحمّل المسؤولية عن غرق ذلك القارب. هل حمّل أحد المسؤولية لأولئك الأطفال بحجة أنهم "قبلوا أن يكونوا حمولة زائدة"؟

***
يقسم مونتسيكو الحكومات إلى أنواع: ملكية، ودكتاتورية، وجمهوريّة. ويميز في الأخيرة بين حالتين، فإن كانت السلطة في الجمهورية للشعب سُمي هذا ديمقراطية، أما إن كانت لفريق من الشعب فهي أرستقراطية.

ثم يشرح: "تكون السلطة ذات السيادة في الأرستقراطية قبضة عدد من الناس، هم الذين يضعون القوانين وينفذونها، ولا يكون الشعب لديهم، إلا كالرعية في الملكية". ويرى أن "للحكومة الأرستقراطية من القوة ما ليس للديمقراطية، وتتشكل فيها فئة تقهر الشعب بامتيازها وفي سبيل مصلحتها الخاصة".

فرنسا 1998

لا ذكريات كثيرة واضحة في ذهني عن ذلك المونديال لأسباب أجهلها، كل ما أذكره أن المنتخب الفرنسي هزم البرازيل في المباراة النهائيّة بثلاثة أهداف نظيفة، كان نصيب زين الدين زيدان هدفان منها. في ذلك المونديال زاد عدد الفرق المشاركة ليصبح 32، بعدما كان 24.

شهد ذلك العام توقيع "اتفاقية أضنة" بين سوريا وتركيا، وها هي في العامين الأخيرين تتصدر واجهةً بارزة في سياق الحدث السوري المعاصر. بالطبع لم أسمع شيئًا عنها وقتذاك شأني شأن كثيرين، كل ما في الأمر أننا كنا نسمع بفضل إذاعتي لندن، ومونتي كارلو أنباء عن توترات بين سوريا وتركيا.

***

"عند نفاد ثروات الشعب سيعاني بشدة من الضرائب المفروضة عليه، مع ضياع الثروات وخوار القوى تصبح بيوت الشعب شبه خاوية، وستتبخر ثلاثة أرباع دخلهم، بينما النفقات الحكومية لإصلاح العربات الحربية، والدروع، والخوذات.. إلخ، ستبتلع أربعة أعشار الدخل العام". من كتاب "فن الحرب" للجنرال والفيلسوف الصيني سن تزو، الذي ولد عام 551 قبل الميلاد، وتوفي عام 496 قبل الميلاد.

نعم، نعم، قبل الميلاد! هناك من وعى هذه البديهيات ونظّر حولها منذ ذلك الوقت.

اليابان – كوريا الجنوبية 2002

من جديد فشل المنتخب السوري في التأهل إلى النهائيات، فيما نجح المنتخب البرازيلي في الفوز بالكأس للمرة الخامسة. أما في سوريا فقد انهار سد زيزون في خامس أيام المونديال مخلفًا فيضانًا غمر أربع قرى، و60 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الزراعية، فيما سقط عشرات الضحايا، وتشرّد الآلاف ممن حالفهم الحظ بأن لم تكن على أيامهم "سوشال ميديا" فلم يحملهم أحد مسؤولية انهيار السد!

***

وقع الافتراق بين المونديال وانتخابات مجلس الشعب التي تأخرت إلى العام التالي، ومنذ ذلك الوقت لم يعد الحدثان إلى التزامن حتى اليوم..

(سطور طويلة مفقودة)

قطر 2022

لم يتأهل المنتخب السوري، خرج المنتخب البرازيلي بخيبة مبكرة، فيما عاد المنتخب المغربي ليبهر العالم بفوزه على البرتغال في مباراة حاسمة أهّلته إلى المربع الذهبي.. (يمشي العالم إلى الأمام بالفعل، باستثناءات لا تخفى على أحد).

"موتوا.. أو موتوا!"، أعيد صياغة العبارة المنسوبة لموسوليني بينما أتابع تعليقات أبناء جلدتي على خبر وفاة مهندسة سورية شابة سقطت في حفرةٍ مكشوفة في اللاذقية. لا أعثر في التعليقات الغاضبة على واحد من الأصوات المبرّرة لإهمالٍ سبّبَ الجريمة (لا أجد أصدق من هذا الوصف).. ولحسن الحظ، لم يلم أحدٌ مهندسة اللاذقية على سقوطها ذلك!

خاتمة إيطالية

من بين القصص المتداولة عن المونديال تبرز واحدة تتعلق بمارادونا وملخصها أنه دعا جمهور ناديه (نابولي) إلى تشجيع الأرجنتين ضدّ منتخب إيطاليا في نصف النهائي، وعزف على وتر الإهمال الذي يشعر به سكان الجنوب الإيطالي. يُروى أن جماهير نابولي رفعت لافتات كُتب فيها: "عُذرًا مارادونا، إيطاليا بلدُنا". يُقال أيضًا أن تلك التصريحات أثارت غضب المافيا الإيطالية، أدّت دورًا أساسيًّا في فضيحة المخدرات التي أبعدت مارادونا عن الملاعب 15 شهرًا في العام 1991.

حسنًا.. إن صحّت تلك الروايات فهذا يعني أن المافيا.. حتى المافيا، يمكنها أن تكون وطنيّةً أحيانًا!

دردشات على هامش الزلزلة

أي مفارقة هذه: "عقدة الناجي تكاد تستحق جنسية سورية فخرية، في بلادٍ لم ينجُ أحدٌ من أبنائها"!

صهيب عنجريني
ابتسمي أيتها الدراما

ثمة مسلسلات يَفترض فيها الكاتب الذروة التي يريد من الأحداث أن تصلها، ثم يبدأ في قيادة سلوكيات الشخصيات..

صهيب عنجريني
"بناء الشخصيّة" بين دراما الزبدة ودراما الزّبَد

بعض الشخصيات قد تُنهي العمل الدرامي على الصورة ذاتها التي بدأ بها، ولكنها، مع ذلك، يُفترض أن تقدّم لنا..

صهيب عنجريني

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة