يكاد يكون من المستحيل اليوم أن نقع على رأي يتناول راهن سوريا دون أن ينزلق إلى واحد من خطابين جاهزين: إما خطاب "الانتصار واستعادة الدولة"، أو خطاب "هيمنة جماعة متطرفة، واستمرار الكارثة".
كلا الخطابين سهل، وربما "مريح" لقائله أيضًا، وكلاهما يتجنب السؤال الأصعب: أين تقف سوريا فعلًا؟
لا تزعم هذه المقالة تقديم إجابات قاطعة، بل تحاول البحث عنها منطلقًا من حقيقة أن الاستعصاء السوري ليس سياسيًا فقط، بل هو بنيوي يتعلق بطبيعة الدولة ــــ أي دولة كانت ــــ تشهد ما شهدناه على امتداد خمسة عشر عامًا.
ثورة.. أم حرب أهلية؟
يبدو من المتعذر تشخيص الحالة السورية الراهنة من دون العودة إلى السؤال المفتاحي أعلاه، لأن أي نقاش يتعلق بسوريا ينبغي أن ينطلق من "السرديّة". سبق أن خضت جدالات طويلة مع نُخب عديدة عقب سقوط نظام الرئيس الفار بشار الأسد، حول السرديّات، ووجوب التوافق حولها لأنها حجر الأساس لبناء الدولة، ولشد ما أدهشني إصرار البعض على أن الأمر لا يستوجب "إضاعة الوقت"، وأن تبني مقولة "انتصار الثورة" هو الخيار الحكيم، لأنه "يضع الشعب بأكمله في كفة واحدة، مقابل نظام مستبد أسقطته الثورة، وانتهينا".
السلطة بدورها لم تكتفِ بتبني هذه المقولة، بل وذهبت إلى الأمام عبر إعلان "انتهاء الثورة، والبدء في بناء الدولة". هل من ضرورة هنا للإشارة إلى الفجوة الهائلة بين الخطاب والسلوك؟ طيب، هل انتصرت الثورة؟ أو هل انتهت "الحرب الأهلية"؟
تفرق حنا أرندت بين "التحرير/التخلص من الطاغية"، و"الحرية/تأسيس حيز عام للمشاركة"، ترى أن الثورة تنتصر فقط في لحظة "تأسيس الحرية"، وهذا بطبيعة الحال مخالف جوهريًّا لنهج "من يحرّر يقرّر" الذي ساد، ولا يزال حتى اليوم. أما العنف في نظر أرندت فلا يؤسّس سلطة، والأنظمة التي تستمر في الاعتماد على أدوات الإكراه بعد النصر لا تكون قد استعادت الدولة، بل تدير فراغًا شرعيًا بالقوة.
ماذا عن الحرب؟ انتهت؟ إذا عرّفنا نهايتها بأنها توقف القتال الواسع، فالجواب قد يكون: إلى حدّ ما. غير أن الحرب الأهلية تنتهي، استنادًا إلى كارل شميدت، حين يفرض كيان سيادي قرارًا حاسمًا يحدد بوضوح من هو "العدو" ومن هو "الصديق". العلّة في حالتنا السورية أن أداء السلطة عالق بين خطاب أسبغ على الجميع صفة "الصديق"، وسلوكٍ يعامل أطرافًا عديدة على أنها "عدو"، ليس هذا فحسب، بل إن الخطاب في حد ذاته غير متّسق في كثير من الأحيان.
ما ينام عليه الساحل السوري من هواجس وجودية، وما تعيشه السويداء من انكفاء على الهوية، وتعثر اتفاقات "المركز والأطراف" مع قوات سوريا الديمقراطية، كل هذا يشير إلى أننا أمام حالة "دولة معلقة" سقط نظامها الديكتاتوري لكن بقيت "تقنيات السلطة"، التي تراوح بين المراقبة والمعاقبة، وفق ميشيل فوكو. بهذا المعنى، ما نراه في سوريا ليس حتى "سلامًا هشًا"، بل هو تحوّل الحرب من شكلها العسكري إلى شكلها الاجتماعي ــــ الأمني.
تدوير البؤس
ما شهدته سوريا طوال 15 عامًا لم يُنتج "ضحايا" في جهة، و"جلادين" في جهة أخرى، بل أنتج جماعات ترى نفسها "ضحايا بالجملة"، وكل جماعة تملك سردية مكتملة ذاتيًا، ومغلقة على الألم والخوف. مظلوميّات ضد مظلوميات، أي أن الصراع اليوم "صراع سرديات" بصورة أساسية، ولهذا لن ينجح أي تحايلٍ كالذي اقترحته بعض النخب لتلفيق "سرديّة مشتركة"، ولا بد من سردية جامعة بمعنى الكلمة، ولصناعتها ينبغي أن ينخرط الجميع في تفكيك السرديات التفريقية بدايةً، هذا بديهي إلى درجة مدهشة.
الحسن، كما صُنع في سنوات الحرب، لم يكن ظاهرة عسكرية بحرفيتها، بل صناعة سياسية ــــ رمزًا يُستدعى لأغراض التعبئة
بالطبع لا ينبع "صراع المظلوميات" من فراغ، بل يقوم على وقائع، لكنها مجتزأة. نحن ندور في حلقة من المغالطات المنطقيّة. من المؤسف هنا أننا بحاجة ماسّة إلى تشريح الخطابات على أسس طائفيّة، هذا ضروري كي لا نختبئ وراء وهم "تعايش باب الحارة". نشهد منذ شهور نشاطًا حثيثًا لصراع السرديتين: السّنيّة ــــ العلويّة، الأولى ترى أن الثانية كانت عمود نظام الأسد، وتميل إلى تحميلها إرثه كاملًا، فيما تجهد الثانية للتنصّل التام من أي مسؤولية. إذا سألنا هنا: هل استفاد نظام بشار الأسد من الطائفة ليطيل عمر نظامه (أو ليديمه كما كان يتوهم)، وهل كان ليسقط أبكر بكثير لولا نجاحه في ذلك؟ الجواب المرجح: نعم. لكنه يظل جوابًا مجتزأً إن لم نأخذ في الاعتبار أن الصراع في سوريا أُجّج منذ البداية بخطابات طائفيّة حادّة، تلقّفها الأسد ونظامه (بل وساعد في تكريسها) ليحشد لحربه، وحين لم يكفه الخطاب وحده تعمّد ترك قرى بأهلها تواجه الإبادة (مجازر ريف اللاذقية الشمالي 2013 مثالًا). هل كانت تلك المجازر كذبًا؟ قطعًا لا، ألم تحدث بأيدي جماعات باتت شريكة في السلطة اليوم؟
في المقابل، ألم يقد الأسد مجازر إباديّة ضد مناطق سنّية؟ قطعًا نعم، وإن كانت دوافعه سلطوية ــــ سياسية أكثر منها طائفيّة. ألم ينجح في وضع هؤلاء مقابل هؤلاء، وتحويل المسألة إلى صراع وجود: إن لم تُقاتل وتقتل، ستُقتل؟
المفارقة أننا نعيش اليوم تدويرًا آخر من النوع نفسه، بدأ مع "تسريبات سهيل الحسن"، وسرعان ما تأججت السردية التي تُحمل العلويين جميعًا جريرة تلك التسريبات. الحسن، كما صُنع في سنوات الحرب، لم يكن ظاهرة عسكرية بحرفيتها، بل صناعة سياسية ــــ رمزًا يُستدعى لأغراض التعبئة، جرى تضخيمه ووضعه في موقع "المحارب المقدس"، أُسبغ عليه لقب "النمر" قبل أن يتضح مع معارك "ردع العدوان" أنه مجرد نمر من ورق، وللمفارقة، ها هو يُستدعى مجددًا لأغراض التعبئة المضادة!
ما يواجه سوريا اليوم ليس فقط سؤال السلطة، بل سؤال العدالة حين تصبح انتقائية. يُطالَب العلويون بأن يحملوا إرث بشار الأسد بوصفه ذنبًا جماعيًا، وفي المقابل، يتبنى كثير من العلويين خطاب الضحية الخالصة، من دون استعداد لتحمّل مسؤولية فردية، أو الاعتراف بدور بعض الشبكات في القمع والقتل.
ماذا عن السويداء ودروزها؟ نتحدث هنا عن خوف وجودي، ومجازر لم تجف دماؤها، وصدمةٍ يصعب استيعابها أو "تبرير" مسبّباتها بـ "انتقام من مجازر سابقة"، إذ اعتزلت المحافظة الحرب حتى بعد أن سُهّلت مجازر "داعش" ضدها في 2018. هل يُبرّر ذلك النزوع نحو الانفصال وأحضان إسرائيل؟ لا. لكن غياب الحلول يُذهب العقول، ومحاولات فرض سلطة الدولة بالقوّة ــــ حتى وإن نجحت ــــ لن توحد، بل ستؤسس لصراع مؤجل.
أما في حالة الأكراد و"قسد"، فنحن أمام مشروع سياسي ــــ عسكري قائم، وسردية تضحيات حقيقية ضد "داعش"، لكننا أمام انتهاكات موثقة أيضًا. وتجاهل هذا التعقيد، أو اختزاله يعيد إنتاج منطق الإقصاء.
في الوقت نفسه، تُبرَّر انتهاكات السلطة القائمة اليوم تحت شعار أنها "الدولة" المخوّلة باحتكار العنف، فإذا سلّمنا بذلك، هل يحظى الأمر بمفعول رجعي؟ وهل نتجاهل ما ارتكبته سابقًا مجموعات وفصائل لأنها باتت جزءًا من "الدولة"؟
في كل هذه الحالات، لسنا أمام براءة جماعية، ولا أمام إدانة جماعية، بل أمام ذاكرة جُرِّدت من سياقها السياسي. والمعضلة السورية اليوم ليست في غياب الدولة فقط، بل في استحالة بنائها فوق ذاكرة منقوصة، تُدان فيها جماعات بأكملها، أو تُعفى جماعات بأكملها، ويُطلب منّا القبول بذاكرة مبتورة باسم الاستقرار.
الدولة بوصفها "جريمة منظّمة"
تاريخيًا، انتهت بعض الحروب الأهلية بالحسم العسكري، لكن تشارلز تيلي، يذكّرنا حين يتحدث عن "صناعة الحرب وبناء الدولة بوصفها جريمة منظمة" بأن الدولة الحديثة نبتت من رحم الحروب حين نجحت القوة المسيطرة في تحويل "العنف" إلى "أمن"، عبر مقايضة وجودية: الجباية مقابل الحماية.
المفارقة السورية تكمن هنا؛ فالحروب التي تبني الدول هي تلك التي تنتهي بإنتاج "عقد حماية متبادل" وبيروقراطية جامعة وجهاز جباية شرعي. أما في حالتنا، فقد أدت الحرب إلى نقيض ذلك تمامًا: أنتجت "حماية انتقائية" تقوم على الولاء لا المواطنة، واقتصاد ظل يقتات على الأنقاض، وشبكات ولاء عابرة للمؤسسات. لقد استعرنا من "الجريمة المنظمة" أدواتها في العنف والجباية، لكننا فشلنا في تحويلها إلى دولة توفر الأمان للجميع. ما فعلته الحرب السورية ــــ حتى الآن ــــ هو إنتاج اقتصاد ظل، وشبكات ولاء محلية، وتفكك الثقة الأفقية بين الناس. إنها بهذا المعنى حرب كاسرة للعقد الاجتماعي، لا مؤسسة له. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي الحسم لنعيد بناء الدولة قطعًا. بالطبع، لا تتحمل السلطة الحالية وحدها المسؤولية عن هذا المآل، بل هو بشكل أساسي صناعة نظام الرئيس الفار.
كنت قد كتبت في "أوان" قبل أربعة أعوام مقالًة تُحاجج بأن إنهاء الحرب السورية مستحيلٌ طالما أننا نعيش على أنقاض عقد اجتماعي متوهّم. اليوم، لم تعد حتى الأنقاض موجودة! وما لم يتوقف حالًا "تفتيت المُفتّت" فالخشية أننا لن نربح الدولة، وسنحصد بدل ذلك سلسلة لا منتهية من الجرائم المنظّمة!