سويداء "الوطن للجميع" وحدودها الخمسة

هل ما قام به جزء من المشاركين في حراك السويداء تأكيد على هوية محليّة منسجمة مع هويّة وطنية جامعة؟ أم أنه ينطوي على تعصب لهوية محلية؟ تحاول المقالة الإجابة على هذا السؤال.

في مشهد بدا لكثيرين سورياليًا، راح متظاهرو السويداء يهتفون بشعار "الدين لله والوطن للجميع"، فيما علم "الحدود الخمسة" الخاص بالطائفة الدرزية يرفرف وسط التظاهرة!

أثار هذا المشهد زوبعة من الأسئلة على وسائل التواصل الاجتماعي: كيف يهتف الناس لـ"دولة المواطنة"، ويصدحون بشعار "الدين لله والوطن للجميع"، ويرفعون في الوقت عينه علم "الحدود الخمسة"؟ وكيف للمرجعيات الدينية أن تكون في قلب حدث يدعو ــــ في أحد أوجهه ــــ إلى تحقيق المواطنة المتساوية؟

ضجّت مواقع التواصل، كالعادة، بسجالات تعكس تأييدًا أو رفضًا للمشهد المذكور. ودعا البعض إلى التغاضي عن الأمر، إذ "مو وقته هسع"، على اعتبار أنّ المسألة "شكليّة" فيما المطالب المُثارة جوهريّة. لكنّ سؤالًا محوريًا ظلّ حاضرًا ــــ من دون إجابة ــــ برغم كلّ هذه الدعوات: لماذا لم يشعر المتظاهرون بأنّ العلم ذا الدلالة الدينية دخيلٌ على تظاهراتهم، التي ينادون فيها بشعارات المساواة والمواطنة؟ ألا يَبرز في أذهانهم أيُّ تعارض بين الأمرين فعلًا؟

ربما كان سؤال الهوية الذي فجّره حراك السويداء واحدًا من أصعب الأسئلة التي نخشى الإجابة عليها، بل أهمّ هذه الأسئلة: من نحن؟ وما الذي ينطوي عليه تنوّعنا "المُبهم" هذا؟ كيف لنا أن نحتفي بالتنوّع من دون أن نكون "طائفيين"؟ وماذا لو رفع العلويون والمسيحيون والإسماعيليون أعلامًا مشابهة؟

حسنًا، فلنُجر مقارنة سريعة. ثمّة من يُقرّ بجواز رفع العلم الكردي، فـ"الكرد جماعة ولهم حقوق"، حتى السلطة السورية صارت تعترف بها (كما تراها هي بطبيعة الحال). لكنّ الأمر يختلف لدى الحديث عن هوية خاصة تتمتع بها جماعة طائفية ما. يستدعي هذا التفاوت السؤال التالي: ما الذي يجعل الكرد جماعة معترفًا بها، بينما "الاعتراف بالخصوصية" لا ينسحب على "جماعة الدروز" مثلًا؟ ثمّ ما هي الجماعة في ذهننا، وما هو تعريفها أصلًا؟

هل يتمثّل الحل فعلًا في تشكيل هوية وطنية يتمّ إسقاطها من أعلى إلى أسفل، عبر أساليب قسريّة ترمي إلى إذابة الهويات الفرعية؟

بالطبع، ثمّة ما يبرّر المخاوف والحساسيات حيال بعض أشكال التعبير عن الهوية الطائفيّة. إذ إننا نعيش في إقليم تفتك بشعوبه نزاعات طائفية (حيّة أو كامنة) من العراق، مرورًا بلبنان واليمن، وصولًا إلى سوريا. غير أنّي أزعم أن الحروب في هذه البلدان تأسّست على عوامل عدّة، أبرزها غياب هوية وطنية جامعة تحترم الهويات المحليّة الفرعية، وتتوافق معها. 

لا يمكن، بالتأكيد، التسليم بحلّ يقوم على بناء هوية وطنية ونظام سياسي على أساس الطوائف، وعلى هويات فرعيّة تعلو على الهوية الوطنية، وتُناقضها، بل تهدّد وجودها كما هو الحال في لبنان. لكن في الوقت الذي بنى فيه لبنان هويته الوطنية ونظامه السياسي على أساس طائفي فج، فقد حاول الاستبداد في سوريا والعراق (قبل الغزو الأميركي)، صهر الهويات الفرعية في وعاء قومي واحد، وبأدوات تسلطيّة قهريّة. 

من هنا يلحّ السؤال التالي: هل يتمثّل الحل فعلًا في تشكيل هوية وطنية يتمّ إسقاطها من أعلى إلى أسفل، عبر أساليب قسريّة ترمي إلى إذابة الهويات الفرعية، وتعمد إلى تجريم الحديث عنها، فلا تسمح للعلوي أن يكون سوريًا وعلويًا في آن، وللسني أن يكون سوريًا وسنيًا، وكذا الأمر بالنسبة للكردي والدرزي... والقائمة تطول؟

ألا يُمكن أن يُسمح للعلويين بالاحتفال بعيد الرابع، وللكرد بعيد النيروز؟ ولماذا لا تحتفي سوريا بميلاد سلطان باشا الأطرش، ولا بذكرى الثورة السورية الكبرى؟ لماذا لا نعرف يوم ميلاد صالح العلي، أو تاريخ وفاته، ولا نُكرّم إبراهيم هنانو، وهذان ــــ وأمثالهما كثر ــــ من الرموز الوطنية، وإن كان طابعهما محليًا؟ واستطرادًا؛ هل أرادت السلطات السورية المتعاقبة لهذه الشخصيات أن تتمتع برمزية وطنية؟

هل حالَ "الوجهُ الدرزي" لشرارة الثورة السورية الكبرى دونَ اكتساب الأخيرة اسمها، كـ"ثورة سوريّة"، و"كبرى"؟

نحن نحتفي بذكرى "الحركة التصحيحية"، و"حرب تشرين"، و"ثورة 8 آذار"، وتأسيس حزب "البعث"، لأن هذه المناسبات غير مرتبطة بذاكرة محلية، ولا بثقافة جماعة ما. لقد حاولت السلطات في سوريا، على مدى عقود، إذابة هذه الخصوصيات، فكانت النتيجة أن أسهَمت هذه السياسات في الانزلاق نحو حرب أهلية طاحنة.

بالإمكان أن نعثر على رأس خيط الحل، على الأرجح، في التوازن بين احترام الهويات الفرعية وبناء الهوية الوطنية.

وقبل أن نجيب على السؤال حول كيفيّة إحداث هذا التوازن، ربما يتعيّن علينا التطرق إلى السؤال المركزي الذي نتناوله هنا: ما المانع من بناء هوية وطنية جامعة، قائمة على المواطنة المتساوية من جهة، من دون إغفال الهويات الثقافية الخاصة من جهة أخرى؟ وعليه، لماذا لا يكون علم الحدود الخمسة جزءًا من هوية السويداء وبالتالي، ولو ضمنًا، جزءًا من الهوية السورية؟

أليس سلطان باشا الأطرش رمزًا وطنيًا ومحليًا ودرزيًا في آن (تعمّدت كتابة محلي ودرزي، فـ"الدرزية" جزء من هوية السويداء المحلية، ولا تختزلها كلها)؟ وهل حالَ "الوجهُ الدرزي" لشرارة الثورة السورية الكبرى دونَ اكتساب الأخيرة اسمها، كـ"ثورة سوريّة"، و"كبرى"؟ أليس هذا حالُ العديد من الدول التي تتّسم بالتنوّع مثل جنوب أفريقيا، وبلجيكا، وسويسرا، وروسيا، والهند، ودول أخرى أقامت توازنًا بين الهويّات المحليّة والهوية الوطنية؟

قد تصطدم الهويتان المذكورتان طبعًا في لحظة ما، وقد يظهر تناقض في بعض المواضع، وهنا تحديدًا يظهر دور النخبتين المثقفة والحاكمة في المواءمة والتوازن، بما يحفظ حقوق المواطنة الفردية، ويحمي الهوية الثقافية المحلية في آن.

من حقنا، بل من واجبنا، الخشية من الطائفية إذ تنهش لحم بلادنا اليوم. لكن ما الذي أوصلنا إليها؟

وينجم هذا التوازن عن استيعاب محدّدات الهوية المحلية، المتمثلة بالاتصال الجغرافي والرموز التاريخية والثقافية والمجتمعية، أي عوامل تشكيل الهوية الوطنية ذاتها. غير أن الأولى يخلُقها المجتمع بنفسه، وتتطور بشكل طبيعي وعضوي، ومن دون تدخل كبير من النخب والسلطات الحاكمة، في حين أن الثانية تحتاج إلى نخب وطنية وسلطة رشيدة ترعاها، بما يسمح باحتواء الهويّات الفرعية بدلًا من تركها تنمو مشوّهة في الظل، وملوّثة بالتطرف والتعصب الأعمى.  

بناء على ما تقدّم، هل ما قام به جزء من المشاركين في حراك السويداء تأكيد على هوية محليّة منسجمة مع هويّة وطنية جامعة؟ أم أنه ينطوي على تعصب لهوية محلية على حساب ما هو وطني؟

ظنّي أن الإجابة تكمن في أن المشاركين في الحراك لم يكتفوا برفع علم الموحّدين الدروز فحسب، فإلى جانبه ظهرت أعلام أخرى دلالاتها وطنية واضحة، وهنا مربط الفرس!

من حقنا، بل من واجبنا، الخشية من الطائفية إذ تنهش لحم بلادنا اليوم. لكن ما الذي أوصلنا إليها؟ وألم يتبيّن أنها كانت حيّة في كثير من بيوتنا، ما سمح لها بتحويل الكثير منا إلى كائنات إقصائية وكارهة؟

إنّ الاحتفاء بالطوائف ورموزها هو احتفاء بالتنوّع، وهو سماح للتكامل بينها، تحت الشمس، لا في الظلال.

مرحى بكلّ ما تعنيه سوريا، بمكوّناتها كافة. مرحى بتنوعّنا وبثقافتنا الثرية، وبعلم واحد لا بد أن يُرفع يومًا، وتبعث رؤيته في أذهاننا أطيافَ سوريا كلها!


هل نحتفي بالحياة بعد كل هذا الموت؟

لماذا كان على رئيفة سميع أن تموت قبل أن نقول لها إن اختلافنا في السياسة لا يفسد حبنا لك، وقبل أن نتذكر..

زيدون الزعبي
7 أكتوبر الذي أيقظ هويتنا!

في التاسع من أكتوبر الماضي، عادت ابنتي من المدرسة محبطة ومكتئبة: "لا أشعر أنّي أفهمـ(هم)، لا يدركون..

زيدون الزعبي
اللاجئون السوريون في دول الجوار: من يريد؟ ومن يستطيع؟

الأطراف المهتمة بقضية اللاجئين السوريين إما تريد ولا تستطيع، أو تستطيع ولا تريد، أو لا تستطيع ولا تريد،..

زيدون الزعبي

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة