ملعب العقوبات القذر(ة)

فجأة، ولأيام عدة، هي الأكثر مصيرية في حيوات من تحت الأنقاض، صار الجدال الأساسي هو: يجب إزالة العقوبات حتى نتمكن من إخراج العالقين تحت الأرض. ما الذي جرّنا إلى هذا الملعب القذر؟

مدهشة قدرتنا على القفز من فوق الإنساني إلى السياسي! لا أتحدث هنا عن السلطة أو المعارضة، بل عن المجتمع المدني والإنساني بشكل خاص!

من غير المفاجئ حديث السلطة عن العقوبات. فهي تتخفّى خلفها لتغطية فسادها، وتدّعي أنها بذلك تحارب "المؤامرة الكونية" عليها، وأن صمودها بوجه العقوبات هو صمود بوجه الإمبريالية والصهيونية والإرهاب! أكثر من ذلك، تعي السلطة وعيًا كاملًا أن هذه العقوبات أصبحت أداة شرعنة لثلاثي النهب، والفساد، والإفقار، الذي تمارسه على الشعب المنكوب. فأينما تحدّث أحدهم عن هذا الثلاثي، قفزت الحكومة لتتحدث عن العقوبات التي يفرضها الغرب عليها. فالشعب فقير لا بسبب سياساتها، بل بسبب استمرار الحرب الكونية على السلطة الصامدة بوجه الإرهاب والمطامع الصهيونية! بالتأكيد تريد السلطة اليوم رفع العقوبات، لكن هدفها الأساسي هو المعنى السياسي لمثل هذه الخطوة، كونها بطريقة أو بأخرى تعطي إشارة باستعادة الشرعية والعلاقة مع المجتمع الدولي.

ولا يفاجئني لهاث المعارضة حول العقوبات، فهي مفلسة مدعية أن العقوبات ورقة سياسية بيدها، تحاول أن توهم بها نفسها ومجتمع المعارضة. بالطبع لا يحدث هذا عن جهل بالمفاعيل الحقيقية للعقوبات، فهي تعلم أنها ليست ورقة في يدها، بل في يد الغرب، ولأهدافه وغاياته هو لا لأهدافها وغاياتها هي، بل وأصبحت تعلم علم اليقين، أن المتضرر منها أولًا وثانيًا وعاشرًا هو الشعب المنكوب، الذي تدعي الدفاع عنه، وأن المستفيد منها هو السلطة. كما تعلم المعارضة علم اليقين، أن العقوبات لم تسقط يومًا أي سلطة استبدادية، وأنها لم تُستعمل إلا لتحقيق مآرب الغرب تحديدًا. لكن ماذا تبقى لهذه المعارضة؟ فليس لديها الآن أرض ولا شعب ولا شرعية!

المفاجأة (غير المفاجِئة حقًا) هي انشغال المجتمع المدني على كامل الجغرافيا بقضية العقوبات.

فالمجتمع المدني في مناطق المعارضة وقف خلف قضية العقوبات تفنيدًا لمزاعم السلطة! يا أخي لماذا عليك التعليق على كل تصريح من السلطة عن العقوبات؟ هل فاجأتك السلطة بالحديث عنها؟ هل لديك وقت للحديث عنها والناس تحت الأنقاض؟ هل لديك طاقة للرد على مزاعم هذا الطرف أو ذاك، وأنت نفسك مشرد وبيتك متضرر أو متهدم؟ هل تظن حقًا أن هذا هو وقت تحقيق المكاسب السياسية؟ هل تعتقد فعلًا أن ردك على قضية العقوبات يساعد في إضعاف شرعية السلطة؟ وأنه دون ذلك التعليق سينتصر النظام؟ طيب ماذا جرى فعلًا؟ كل هذا الصراخ حول العقوبات وعدم ارتباطها بالمساعدات الإنسانية، ذهب أدراج الرياح، وقررت الولايات المتحدة الأميركية تعليقها فعلًا، وغالبًا بطلب من حلفائها الأوروبيين والخليجيين. فإثر زلزال بهذا الحجم مَن مِن الأوروبيين لا يخشى موجات لجوء جديدة، بعد أن أتى الزلزال على ما تركته الحرب؟ كان واضحًا أن إشادة أوروبا بسلوك المصرف المركزي، وسلوك السلطة السورية تجاه قضية المعابر، وتعليق العقوبات والتحضير لقوافل إنسانية تسير من دمشق ليس إلا ظاهر صفقة كبيرة ربما جرى تحضيرها خلال ساعات الزلزال الأولى، بل وربما قبلها!

لماذا لم نتمكن من تأجيل سجالات "مع وضد" العقوبات إلى أن نرفع الأنقاض؟

أما المجتمع المدني على المقلب الآخر، فكان رد فعله الأول هو أن التعامل مع نكبة الزلزال يقتضي إزالة العقوبات أو تعليقها، وكأن تعليق العقوبات سيغير فورًا من الواقع الإنساني الذي فرضه الزلزال. تؤثر العقوبات دون أدنى شك على الواقع المعيشي للناس، وفي جميع الجغرافيات السورية وليس فقط في مناطق النظام، وإن كانت الأخيرة هي الأكثر تأثرًا. وبالتأكيد لم تشكل العقوبات إلا سيفًا مصلتًا على رقاب الناس، لكن الحديث عنها لحظة وقوع الزلزال لم يكن ليغير في واقع الحاجة إلى إزالة الركام عن الأجساد العالقة تحت الركام! ولن يغير تعليقها من سلوك المصارف التي يتجنب بعضها تحويل أي مبلغ طالما أن المستلم سوري/ة، حتى ولو لم يكن يعيش في سوريا! وإلى أن تعي المصارف معنى قرار التعليق، وتطبقه – هذا إذا رغبت أن تجازف بذلك كرمى لمبالغ تراها تافهة وفق حساباتها - سيكون الآلاف قد قضوا اختناقًا ونزفًا، بل وغضبًا!

فجأة، ولأيام عدة، هي الأكثر مصيرية في حيوات من تحت الأنقاض، صار الجدال الأساسي هو: يجب إزالة العقوبات حتى نتمكن من إخراج العالقين تحت الأرض. لا! لا تؤثر العقوبات على المساعدات الإنسانية فهي مستثناة من العقوبات. كلا! العقوبات تمنع وصول الوقود. لا، العقوبات لا تمنع وصول الوقود من شمال شرق سوريا، لكنه نزاع السياسة. لا ولا ولا، ولا شيء تأثر. لم نتمكن من الاستجابة كما استحق هؤلاء الناس، لا قبل تعليق العقوبات، ولا بعده. مات السوريون والسوريات وهم ينتظرون مفاوضات الساسة، وهي التي تستخدم أرواحهم عملة لصفقاتها.

ما الذي جرّنا إلى هذا الملعب القذر؟ هل دفاعنا عن قضايانا مع هذه المقولة أو تلك، أم أن الأمر لا يعدو حالة التمترس خلف مقولاتنا التي نجترها منذ عقد؟ ما الذي منعنا من أن نشكل جبهات عابرة لخطوط القوى للاستجابة للشعب المنكوب؟ لماذا لم نتمكن من تأجيل سجالات "مع، وضد" العقوبات إلى أن نرفع الأنقاض؟ جُررنا وجَررنا أنفسنا إلى ملعب العقوبات القذر(ة).

دون أدنى شك، قدم المجتمع المدني صورًا مبهرة في الدعم والتعاضد والتعاون. شكلت استجابته لاحتياجات الناس درسًا عظيمًا. لكن هذا الدور ظل في جغرافيات الانقسام السوري، وظلت إدلب معزولة عن اللاذقية، وحماة معزولة عن الرقة والحسكة، وحلب معزولة عن حلب، لأننا لا نريد لحظة واحدة أن نتجاوز تبايناتنا السياسية حتى عندما كانت الأرض تهتز تحتنا حقًا وليس مجازًا.


هل نحتفي بالحياة بعد كل هذا الموت؟

لماذا كان على رئيفة سميع أن تموت قبل أن نقول لها إن اختلافنا في السياسة لا يفسد حبنا لك، وقبل أن نتذكر..

زيدون الزعبي
سويداء "الوطن للجميع" وحدودها الخمسة

هل ما قام به جزء من المشاركين في حراك السويداء تأكيد على هوية محليّة منسجمة مع هويّة وطنية جامعة؟ أم أنه..

زيدون الزعبي
7 أكتوبر الذي أيقظ هويتنا!

في التاسع من أكتوبر الماضي، عادت ابنتي من المدرسة محبطة ومكتئبة: "لا أشعر أنّي أفهمـ(هم)، لا يدركون..

زيدون الزعبي

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة