أمّة لا توسّط عندها!

تواجه عملية حماية "الوسط" في العالم العربي تحديات جمّة. أولها وأهمها هو الاستبداد السياسي الذي يسعى إلى كسر أي تحالف بين قوى الاعتراض، وثانيها يتمثّل بحالة الشكّ والعداء المتبادل بين هذه القوى.

قال صاحبي للمحقق: اسمع، في هذا البلد (سوريا) ليس هنالك سوى أحد النهجين؛ إما أنتم أو الإسلاميون المتطرفون! قل لي أين أذهب! أسهل القول أن يقال إن الاستبداد السياسي ضيّقَ الأمرَ على القوى الوطنية الديمقراطية، فزجّ بها في السجون ونكّل بقاداتها وشتّتها، فلم يبقَ أمام المواطن إلا أن يستسلم للاستبداد بحيادية "إيجابية"، أو انتماء لحزبه أو لأحد أحزابه التابعة، أو أن يلتحق بأحد التنظيمات الإسلامية المتطرفة. إلقاء اللوم على الاستبداد السياسي مشروع، ومفهوم، بل ونافل. غير أن تبرئة القوى الوطنية الوسطية يمينًا ويسارًا مما آلت إليه الحياة السياسية غير منصف برأيي. ما يدفعني إلى هذا القول هو ما شهده العالم العربي خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وبالأخص في العقد الذي تلا ثورات "الربيع العربي". فلنعد إلى التجارب الديمقراطية القليلة التي "مُني" بها هذا الشرق غير المحظوظ. ففي أغلب الحالات، عانت القوى الديمقراطية اليسارية واليمينية من كراهية متبادلة، جعلتها تتحالف دومًا مع الاستبداد بمواجهة الآخر. كانت خشيتها من الطرف المقابل لها في طيف التموضع السياسي أكبر من تمسّكها بقيم الديمقراطية. ما حدث أخيرًا في تونس يشكل مثالًا حيًا لما أودّ طرحه هنا. فبعد الانقلاب الناعم الذي قاده قيس سعيد، بدت القوى العلمانية متأرجحة بين مدافِعة عن الإجراءات التي اتخذها سعيد، واصفةً إياها بتصحيحٍ لمسار الثورة، وبين مستنكِرة على استحياء ومطالِبة بإعادة الحياة البرلمانية. كانت ذريعة هذه القوى في مساندتها لسعيد، أن الإسلام السياسي يحرف البلاد عن مسارها الديمقراطي العلماني، وأن حركة "النهضة" تحاول الاستئثار بالسلطة. أما "النهضة"، فآثرت التحالف مع فلول النظام السابق المتمثلة بحزب "قلب تونس" على التحالف مع القوى الديمقراطية الوطنية، داخلة في تحالفات تكتيكية، ربما لخشيتها من تنامي شعبية الأخيرة على حسابها. حصيلة الأمر، أن أغلب القوى العلمانية التي أيّدت أو سكتت عن إجراءات سعيد، غارقة في ندمها، وهي ترى أم ثورات "الربيع العربي" في مهبّ ريح الاستبداد العائد بثقة!

كراهية يمين الوسط ليساره، وكراهية يسار الوسط ليمينه، شكّلت الرافعة الأساسية التي جعلت حالة الوسط في العالم العربي شبه مفقودة

حدث الأمر ذاته في مصر. فتنابُذ الوسط بين حركة "الإخوان" المصرية مع التيار العلماني الديمقراطي أدى إلى عودة حكم العسكر سريعًا، بعد ثورة شكلت أمل القوى الديمقراطية العربية بعد عقود من الاستبداد. في المثال المصري، حاولت حركة "الإخوان" بعد فوزها الضعيف في الانتخابات الرئاسية الاستئثار بالسلطة مبعدة القوى الديمقراطية العلمانية، لتقع الأخيرة في فخ التعاطف مع المؤسسة العسكرية، مؤيدة انقلابها، ليأكل الندم نشاطها السياسي وهي ترى نفسها تعود إلى حتى ما قبل مصر 2004! الأمر ذاته حدث عند فوز "جبهة الإنقاذ" الإسلامي في الجزائر، وبعد فوز حركة "حماس" في فلسطين. أما في سوريا، فخروج التظاهرات من الجوامع وحده دفع العديد من القوى الوطنية الديمقراطية إلى الإحجام عن المشاركة في الحراك السلمي الذي طبع الشهور الستة الأولى من الانتفاضة السورية. بالطبع، كانت لدى القوى العلمانية السورية ذاكرة حيّة تقول إن حركة "الإخوان المسلمين" وبعد تحالفها مع بعض القوى العلمانية في بدايات حكم الرئيس السوري بشار الأسد، عادت لتنقلب على هذا التحالف، عبر تشكيل "جبهة الخلاص" بالتعاون مع أحد أهم رموز الاستبداد، نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام. ثم أخذت الحركة ترسل إشارات تصالحية للسلطة السورية، بعد دعم السلطة حركة "حماس" في حرب غزة. ما أود قوله هنا، إن كراهية يمين الوسط ليساره، وكراهية يسار الوسط ليمينه، شكّلت الرافعة الأساسية التي جعلت حالة الوسط في العالم العربي، شبه مفقودة، وهو ما ساهم في دفع الشباب، رافعة العمل السياسي الحقيقي، نحو خيارات تتنافس في بؤسها. فإما الاعتكاف وترك العمل السياسي، أو الانخراط بنشاط في أجهزة السلطة الحاكمة والتحوّل إلى إحدى أدوات هيمنتها، أو الذهاب بعيدًا في الانخراط في قوى إسلامية متطرفة مثل "داعش" وأضرابها! بالتأكيد، ليس هذا حكرًا على العالم العربي، فالعالم برمته يذهب نحو نبذ الوسط، وإفراغ طيف التموضع السياسي من القوى الديمقراطية الوطنية، بيسارها ويمينها، لصالح قوى التطرف. ما حدث في الولايات المتحدة مع تصاعد الترامبية وفي بريطانيا مع "بريكست" وفي فرنسا مع تصاعد اليمين المتطرف بقيادة لوبان، يشي بوضوح أن تهلهل الوسط موجة كبيرة تجتاح العالم، مهددة النموذج الديمقراطي برمّته! في المقابل، تمكن الوسط في ألمانيا، ممثلًا بـ"الحزب الديموقراطي المسيحي" و"الحزب الاشتراكي الديموقراطي"، من التحالف على مدى ثمانية أعوام عابرًا بالبلاد ببراعة من سلسلة أزمات عصفت بالعالم، انطلاقًا من الأزمة المالية العالمية وليس انتهاء بوباء "كورونا". بالتأكيد، تواجه عملية حماية مثل هذا الوسط في العالم العربي تحديات جمة. أولها وأهمها هو الاستبداد السياسي الذي يسعى إلى كسر أي تحالف بين هذه القوى. ثاني هذه التحديات، كما أسلفنا، يتمثّل بحالة الشك والعداء المتبادل بين هذه القوى. وثالث التحديات يتمثّل بصعوبة التموضع السياسي في بلاد لا تعرف من السياسة إلا ما تقرأه في كتب القومية والتاريخ! أحد الأصدقاء قال لي يومًا: نحن في سوريا متموضعون على مدى كامل الطيف السياسي، لكن كلّ واحد منا يرى نفسه الوسط الوحيد، وكلّ من هو على يمينه هو اليمين المتطرف، مجموعًا في سلة واحدة، وكلّ من هم على يساره هو في أقصى اليسار المتطرف. باختصار يا صاحبي، نحن أمة لا توسّط عندنا! لنا الصدر دون العالمين أو القبر! 


الإمبراطور المؤدلج.. رأسه أو الحرب

على الأغلب أن الأميركيين هم خلف حملة تحريض النخبة الصينية وبث الخوف لدى الرئيس الصيني "شي"، ليتجه نحو..

حسام مطر
في موازنة 2023 السوريّة: نظام ضريبي للأثرياء

أدى دعم دخل رأس المال والاعتماد على ضرائب الاستهلاك غير المباشرة إلى خلق نظام ضريبي تنازلي بشكل متزايد..

رشا سيروب
الصين والغرب: دوافع الصراع

كيف يمكن تفسير مقاربة بكين للعلاقة بالجوار الصيني، الذي ينتقل سريعًا إلى التحالف مع الولايات المتحدة..

محمد صالح الفتيح

اقرأ/ي أيضاً