أرواحُ بيوتنا عادت لتنتقم

منذ أن وطأتُ ضيفًا، غير مرحب به، في هذه البلاد، اكتسبتُ جينات اللجوء التي تشبه ــــ لجهة الترحال ــــ جينات البداوة. ورحت أبحث عن بيوت للإيجار تشبه بيوت الوطن.

خلال المدة التي قضيتها في سوريا، تنقّلت مع عائلتي بين أربعة منازل. وبرغم ملكيتنا لكلّ منها، إلا أنها لم تكن منازلنا بالمعنى الحرفي للكلمة. إذ لم ننتمِ لأي منها، فجميعها كانت عبارة عن أماكن إقامة مؤقتة. نقيم في واحد منها ثم نعيد البحث عن آخر، ثم آخر، وهكذا...

لذلك، لم نبن في مخيلاتنا ذكريات عن تلك الأماكن، ولم نترك فيها بصمات تعيدنا إلى ساحاتها نادمين مرة أخرى، ولم يهبط علينا الحنين لأول منزل. ولذلك خلت جعبة ذاكرتي من مادة دسمة عن تلك البيوت، إذ لا أذكر من ماضيّ هناك سوى شذرات ومشاهد ضبابية. لكن ما فائدة الماضي سوى أنه شريط ذكريات؟ وما فائدة الذكرى، وهي "ثلج لا يُضمَن الوقوف فوقه طويلًا"، كما يقول وديع سعادة.

ولأننا حملنا جينات البداوة من إرث أبي، فقد أصبح التنقل أمرًا اعتياديًا. إذ ليس للبدوي مستقر، أعطه قطعة سماء تظلّله، وبرّية شاسعة تتلقى بود خطواته، ودعه يرسم واقعًا أسمر.

كان الأمر ممتعًا للغاية. فعدا عن التنوع الذي ظل يطرق أذهاننا، والوجوه والمشاهد المتجددة التي كنا نراها، تعلّمنا أن نحمل البيت داخلنا، ليس كأربعة جدران وسقف من الإسمنت المسلح، بل كشيء أصغر من ذلك وأخف، وأكثر قربًا. إذ قد يكون حجرُ الرصيف الذي يحتوينا في جلسة ربع ساعة، أو شخص نتبادل معه الحديث ثم يمضي كل منا إلى شأنه، هو المساحة الآمنة التي تعطب السوء قبل اقترابه، وهو الإحساس بالطمأنينة.

كانت تلك البيوت تمنحنا كل شيء من دون مقابل، ولكننا بجحود كنا نستغلها، ثم نرميها بكامل العري.

ومثلما عشنا المتعة في ذلك، كان الوطن أيضًا برّيتنا الشاسعة التي تتلقى خطواتنا بودّ، وترحب بنا أينما حللنا. حيث تفتح المدن سجلاتها وتقيدنا كرحّل، ثم، بعد فترة، تشطبنا من دون أسف منها ومنا.

وعندما بدأت آلة الحرب بهضم ما تصادفه من بنيان لتحيله ركامًا بلا روح، خرجنا. ومن حينها لم أسمع عن مآل أي بيت من تلك التي مررنا يومًا بها. نسيتُها كما تنسى العاهرة أجسادًا كثيرة اخترقت جسدها وولت.

*     *     *     *

منذ أن وطأتُ ضيفًا، غير مرحب به، في هذه البلاد، اكتسبتُ جينات اللجوء التي تشبه ــــ لجهة الترحال ــــ جينات البداوة. ورحت أبحث عن بيوت للإيجار، حتى حين أكون مقيمًا في واحد منها. لا أتوقف عن البحث عن آخر. ليس لبداوة تسري في عروقي، ولا بسبب التأهب المستمر المصاحب لحال اللجوء، بل لأنّي كنت أبحث في كل منها عما يشبه بيوت الوطن، علني أتمكن من الاستقرار والراحة من عناء الركض خلف مشاهد ووجوه جديدة، ورغبة مني أيضًا في تجنيب أطفالي إدخال كلمات مثل "الشتات" و"اللجوء" و"الغربة" إلى قاموسهم، أو على الأقل لأحميهم من شبح عدم الانتماء.

بدأت بالتفكير بأن كل ما يحصل ما هو إلا انتقام عن أفعال ماضية، فالبيوت تعرف بعضها وتؤازر بعضها بعضًا

لكنّ البيوت هنا لا تمنحنا روحها كما كانت تفعل تلك التي هناك، فهي تسلّم أجسادها لشبق عابر، ثم تأمرنا ببساطة بلملمة ثيابنا والخروج مهرولين. ذنبنا الوحيد أننا دخلنا كأطفال تائهين مساكن زيّنت أمامنا الأمن والحرية في البداية، كما فعل منزل الساحرة، ثم عزمت على سجننا في مساحة ضيقة تمهيدًا لإذابتنا بين جدرانها.

ومع كل بيت أمكث فيه، تتشبث بي ذكريات منه وأحداث جرت بين جدرانه، ويزداد تعلقي به من دون أن يبادلني ذلك بمثله، كما لو كان الأمر حبًا من طرف واحد.

ففي أول بيت سكنته، مثلًا، والذي كان متربعًا على قمة هضبة تطل على نهر، صدر كتابي الأول، وفيه وُلد طفلي الثالث. وفي البيت الثاني الأقلّ علوًّا من سابقه، حصلت على جائزتي الثانية في الشعر، وتحت سقفه ضحكت مع الكثير من الأصدقاء، وعادت ابنتي الكبرى من المدرسة في أول يوم لها هناك. وفي البيت التالي زرعتُ شتلتي سروٍ وصنوبر، ثم تركتهما يتوسّلان اهتمام مستأجر آخر.

منذ نحو سنة ونصف السنة، أشعر بأننا محاصرون هنا، في هذا المنزل الغبي تمامًا. إذ بدأَت أحوالنا بالتدهور من سيئ إلى أسوأ، ولستُ متأكدًا ممّا إذا كان مردّ ذلك سأمنا من التغيير المتكرر المفروض علينا، أو اضطراري إلى شرح معنى "بيت الطفولة" لأولادي الثلاثة الذين لا يسعفهم خيالهم لإدراك معنى عبارة كهذه.

لقد بتنا محاصرين لأن البيوت صارت أفيونًا لا يمكن تحصيله بسهولة، ولأن قيودنا التي دخلت سجلات هذه المدينة لن تُشطب منها إلا في حالتين؛ الموت والعودة إلى الوطن كجثث لا تقدر على الترحال، أو العودة أحياء إلى ساحة المجزرة. وفي الحالتين نحن الخاسرون، وهي الرابحة.

بدأتُ في الآونة الأخيرة بالتفكير بأن كل ما يحصل، وكرهي لهذا البيت وحصاري فيه، ما هو إلا انتقام عن أفعال ماضية. فالبيوت تعرف بعضها وتؤازر بعضها بعضًا أيضًا.

وخلال الليالي الفائتة، أخذ كابوس مزعج يطرق بوابة نومي، تظهر فيه البيوت التي تركناها وحيدة في الوطن مقتولة، وأرواحها تتلبس بيتًا ذكيًا أُقيم بين جنباته في المنام. وبطريقة ما، تستولي بيوتنا الميتة على تكنولوجيا البيت الذكي، وتبدأ شوط انتقام منا نحن الخونة. فمرة تطفئ الإنارة لتتركنا في عتمة موحشة، ومرة ترفع صوت الموسيقا بصخب يوتر الروح والجسد، وفي النهاية تُقفل جميع مخارج المنزل. ثم تُخفض درجة الحرارة داخله إلى ما دون الصفر، لنموت تجمدًا.

أستيقظ على الفور، وأبدأ بالبحث عن أرقام أقاربي. أطلب من أحدهم أن يجول في الأحياء التي سكنتُ فيها سابقًا، ليُعلمَني بحال بيوتها. يوافق على طلبي ويبدأ جولاته.

اليوم، عاد ليخبرني بنتائج بحثه دفعة واحدة.

"جميع البيوت، الأربعة، لم يتبقّ منها شيء، إلا ركام صامت بلا روح".

زمن الفساد الجميل

في تركيا متاهات لم يخلقها فساد يجري مجرى الماء في المواسير، بل بيروقراطية متصلبة، وقوانين لا تحتمل..

حسين الضاهر

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة