لمَ لا تكترث اليهودية القومية الجديدة في إسرائيل للرهائن في غزة؟

كيف تمثّل الحرب في غزة بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف "الدراما الوطنية المطلقة، وفرصة نادرة لاستعادة الكبرياء القومي والشعور باستحالة الانكسار"؟ توضح هذه المقالة المنشورة في "هآرتس" جانبًا من الجدل في إسرائيل حول كيفية التعامل مع ملف الأسرى لدى "حماس"، وتشرح أسباب عدم اكتراث هذا اليمين بحياة هؤلاء الأسرى إذا كانت على حساب إبراز القوّة.

الكاتب: إيشاي روزين تسفي* (النص الأصلي في "هآرتس" هنا)

ترجمة: تيم الكردي

تهدف الحرب في غزة، بالنسبة إلى اليمين الديني المسياني الشوفيني الصاعد في إسرائيل، إلى استعادة الكبرياء وإبراز القوة.

ولا يتوافق حال الرهائن اليائسين الذين تحتجزهم "حماس" مع سردية هذا التيار.

لمَ يغيب اليمين الإسرائيلي، بشكل عام، عن تظاهرات المطالبة بالرهائن؟ فما الذي قد يكون أكثر قدسيةً وإلحاحًا من إنقاذ حيوات إخوتهم الإسرائيليين؟ تبدو الإجابة بسيطة على نحوٍ خادع: فهذه الأنشطة يُنظَر إليها بوصفها استمرارًا للاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو وسعيها إلى إصلاح السلطة القضائية، أي الاحتجاجات التي بدأت من قبل 7 أكتوبر.

يجري الاستشهاد بسبب آخر كثيرًا، وهو أن معظم الرهائن من الكيبوتسات التي تُعتبر يسارية، وعلى خلاف مع اليمين الإسرائيليّ تاليًا. كما طُرح، في هذا السياق، الانسحاب الأحادي الجانب الذي قام به رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون من غزة في العام 2005. والحال، إن أحد أعضاء "الكنيست" التابع لحزب الليكود قال مؤخرًا لفرد من عائلة أحد الرهائن: "لو لم يحدث فك الارتباط، لما كنتم تجلسون هنا الآن".

لكن هذه التفسيرات، القائمة على أجندات سياسية وسياسات الهوية، ليست عميقة بما يكفي.

لدينا أيديولوجيا أساسية فاعلة هنا، أيديولوجيا ترى أن الحرب في غزة تمثّل الدراما الوطنية المطلقة، وفرصة نادرة لاستعادة الكبرياء القومي والشعور باستحالة الانكسار. ويشكّل الرهائن، في هذه السردية، مصدرًا لضعف جمعيّ. ويعني دعم قضيتهم إعلاء لقضية الفرد على قضية الدولة.

ليست هذه مجرد مسألة أولويات فورية، إنما مسألة نظام قيم كليّ. فعديد من المتحدثين اليمينيين أظهروا الحرب بوصفها فرصة نادرة لاستعادة حسّ بالشرف والوحدة. فيذهب ينون مغال، وهو صحفي يميني بارز، خلال مقابلة إلى وصف هذه الفترة بأنها "حقبة عظيمة تعود بالخير على إسرائيل".

ثم يحلّ العامل الدينيّ. فوفقًا لاستطلاع للرأيّ أُجريّ مؤخرًا، يؤيد %73 من السكان اليهود العلمانيين التوصل إلى اتفاق مع "حماس" لإطلاق سراح الرهائن، مقارنةً بـ %52 ممن يعرفون أنفسهم على أنهم "ماسوارتيون" [يهود محافظون]، و%41 ممن يُعتبرون متدينين، و%24 فقط من اليهود الحريديم.

الارتباط بين الهوية الدينية والسياسات اليمنية أقوى من أيّ وقت مضى، وتلعب مسألة الكبرياء الوطني في مقابل الضعف المتصوّر دورًا حاسمًا

إذًا هناك ارتباط جليّ بين مستوى التديّن والتناحر بشأن التفاوض مع "حماس". ولا يُمكن تفسير هذا الارتباط من خلال الحساسيات الدينية في حد ذاتها، حيث أن التقليد "الهالاخيّ" ["الهالاخيون" هم الخبراء في الشريعة اليهودية] عمومًا يتبنى التزامًا عميقًا تجاه الرهائن ويتعاطف معهم.

بَذلَت الجماعات اليهودية على مدار التاريخ جهودًا كبيرة ودفعت مبالغ هائلة لفدية الرهائن من شتى أنحاء العالم. في حين أن "المشناه" ["المشناه" مجموعة من تفسيرات الشريعة] ينص على أنه "لا يجوز أن يُفدى الأسرى بأكثر من قيمتهم"، فقد حاول "الهالاخيون" جاهدين من جميع الأجيال لتجاوز هذا القيد، بدايةً من "التوسافيين" في القرن الثاني عشر وصولًا إلى الحاخام عوفاديا يوسف الذي اعتبر في العام 1976، حين جرى اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية إلى أوغندا، أنه من المبرر إطلاق سراح الإرهابيين من أجل الأسرى، حتى مقابل ثمن باهظ للغاية.

إذًا ليس التقليد هو الفاعل هنا، إنما نمط جديد من التديّن القومي. فالارتباط بين الهوية الدينية والسياسات اليمنية أقوى من أيّ وقت مضى، وتلعب مسألة الكبرياء الوطني في مقابل الضعف المتصوّر دورًا حاسمًا في هذه الأجواء.

كان حزب "مفدال"، وهو أول حزب يمثّل الصهاينة المتدينين في إسرائيل، حزبًا وسطيًا. لكنه فقد الدعم تدريجيًا، وحلّ محله في نهاية المطاف "الحزب الصهيونيّ الدينيّ" المتطرف قوميًا بزعامة بتسلئيل سموتريش الذي تحالف مع خلفاء مائير كاهانا [حاخام يهودي من زعماء "الصهيونية التصحيحية"].

استغرق هذا التحوّل الدراماتيكيّ وقتًا طويلًا. بدأ بعد حرب 1967 وتعزز في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته مع تشكيل نظام مدرسيّ مستقل للمعسكر الديني الوطني (مع كتب مدرسية خاصة به في التاريخ والأدب والعلوم السياسية)، وإنشاء أحياء (ومستوطنات) متجانسة تحولت تدريجيًا إلى حُجر يتردد فيها صدى رواية قومية إثنية وحيدة.

التفكّر والاهتمام المفرطين بالضعف البشري، حسبما يعتقدون، هو تعبير عن قيم "غربية" فاسدة ومضعِفة

في المجتمع الحريديّ أيضًا، تجري عملية تأميم سريعة. فمجتمع كان قادته يدعمون المساومات السياسية والإقليمية سابقًا، متموضع الآن على نحوٍ جليّ في أقصى اليمين (يُعدّ دعم عديد من الناخبين الشباب على هامش الجماعات الحريدية للحزب الكاهاني الذي يتزعمه إيتمار بن غفير سرًا مكشوفًا يبقي بعض السياسيين الحريديم يقظين طوال الليل). وحقيقة أن القومية الحريدية لا تخضع إلى القيم الليبرالية الحديثة تجعلها خطيرة على نحوٍ خاص. وليس من المستغرب أن نجد فيها بعض وجهات النظر الأكثر تطرفًا في ما يتعلّق بالحرب.

علاوةً على ذلك، زرع بعض أعضاء الحزب الصهيوني الديني عداءً عميقًا للغاية تجاه فكرة الضعف اليهودي ذاتها. ويجب على الإسرائيليين اليهود، في هذه الرواية، أن يتمثّلوا كصورة للقوة والسيطرة في كل وقت.

هذا ليس تجسيدًا لصورة "الصابرا" القديمة التي كانت موجودة في بدايات الدولة، إنما أيديولوجيا جديدة تمامًا.

التفكّر والاهتمام المفرطين بالضعف البشري، حسبما يعتقدون، هو تعبير عن قيم "غربية" فاسدة ومضعِفة. وقال أحد أعضاء الحزب قبل بضعة سنوات إن حركة شبابية للأطفال المعوقين تقلل من المجتمع من خلال إرسال رسائل "معادية للقومية ومعادية للرجولة". قد يكون هذا موقفًا متطرفًا على نحو استثنائيّ، لكنه يعبر عن شعور أشمل كثيرًا. فالإفراط في الأخلاقية دلالة ضعف، ليس في سياق الاهتمام بالشعب الفلسطيني فحسب، بل حينما يتعلّق الأمر باليهود الضعيفين أيضًا.

برغم أن هذه الجماعات تدّعي أنها حارسة التاريخ اليهوديّ، فإن صنف اليهودية هذا الذي نواجهه في إسرائيل اليوم، وهو نوع غالبًا ما نُظر إليه في الخطاب العام على أنه اليهودية الممكنة الوحيدة، هو تطوّر حديث في حقيقة الأمر.

إنه مزيج من الميول الشوفينية التي وُجدت على الدوام في اليهودية مع الأصوات القومية الجديدة جنبًا إلى جنب مع جرعة قوية من التوقعات المسيانية. وهذا ليس تعبيرًا أصيلًا عن تقليد يهوديّ، بل هو نمط جديد من اليهودية، نمط يمجد القوة ويحتقر الضعفاء والمحتاجين. إنه قلب للتقليد اليهوديّ الذي كرست حياتي لأتعلمه وأعلمه.

إن هذه النسخة الوليدة من اليهودية، النسخة التي تمسك الآن بزمام السلطة في الحكومة الإسرائيلية، تفسر جزئيًا سبب بقاء 134 شخصًا، بما فيهم النساء والأطفال، في غزة لما يزيد عن خمسة أشهر منذ أسرهم.

 

*إيشاي روزين تسفي هو رئيس قسم الفلسفة اليهودية والتلمود في جامعة تل أبيب وباحث حاصلة على زمالة من معهد شالوم هارتمان.

هل كان يسوع ثائرًا؟

إنْ كان من دُعيا باللّصين ثائرين، فهل كان يسوع ثائرًا أيضًا؟ لعلّ كتّاب الأناجيل أسقطوا بعضًا من المادة..

أوان
سوريا وتقنين العيش

من دمشق إلى حلب مرورًا بالعاصي فالجزيرة والساحل، توحّدُ السوريين معيشةٌ تُظللها عتمة الأيام، وتتعطل..

أوان
3 أسئلة لبيار ستمبول، الناطق باسم "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام"

"معظم الجمعيات اليهودية في فرنسا تدعم جرائم إسرائيل وتعتبرنا خونة". ما الذي يقوله بيار ستمبول، الناطق..

أوان

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة