رُعب الانتماء

يعيش الإنسان حياة واحدة يرتبط فيها الماضي بالحاضر بالمستقبل. لكن حين ينفصل الإنسان عن بلد مولده وينتقل إلى بلد جديد، يتمزّق هذا الرابط، حيث كلُ انتقال هو تمزّق من شأنه أن يعيدنا إلى التمزق الأول، إلى لحظة ولادتنا.

(1)

منذ وصولي إلى فرنسا، حاولتُ أن التقط من أفواه المهاجرين واللاجئين من مختلف الجنسيات مفردة تعبّر عن خروجي من سوريا. لم أجد ضالتي في "Je suis parti"، التي قد تستخدم لأي مغادرة طبيعية، بالإضافة إلى نطقها الذي يمر حياديًا على الآذان. ولم أستسغ "J'ai migré" (هاجرت)، كما لا استسغها بالعربية، لارتباط فعل الهجرة بذهني بنوع من الترف لا يتصف به خروجي من البلد. ربما يقال لأبنائي وأحفادي إذا استمريت بالعيش هنا إنّهم من أصول مهاجرة، لكن بالتأكيد في الوقت الحاضر لست مهاجرًا.

فكّرت أن أستخدم مفردة الهرب في كل مرة أحكي فيها عن رحلتي للوصول إلى البلد الجديد. تاريخ خروجك من البلد والمدّة التي تفصلك عنه يصيران لازمة عليك أن تكررها يوميًا تقريبًا، في الدوائر الحكومية وفي كل تعارف جديد، وفي مقابلات العمل ومقاعد الدراسة. كلمتان ثقيلتان على القلب واللسان.

هربتُ من بلدي، ذلك هو الأقرب للحقيقة. فأنا هربت من الخطر الجسدي المباشر. ولولا وجود هذا الخطر القريب، لا فكرت بالسفر ولا بالهجرة، وبالطبع لم يقم أحد بنفيي أنا على وجه الخصوص.

ظلّ الأمر على هذا النحو إلى أن سمعت مصادفة أغنية يقول مطلعها "j'ai quitté mon pays". يحمل فعل quitter معنى الترْك أيضًا. وبهذا يشترك مع اللفظ العربي بحرف قاسٍ وقاطع عند نطقه. لا يمر مرورًا عابرًا على الأذن كالمفردات الأخرى، بالإضافة إلى أن معنى الفعل فيه شيء من التخلي الذي أشعر به حيال خروجي من البلد. ومع استخدامي له، صار حديثي عن مغادرة البلد أقل ثقلًا، أُردده مثل مطلع أغنية.

(2)

بينما نعيش في عصر مضطرب، يُطلب منّا التكيّف باستمرار. ويتم بيعنا سعادة البدو الرّحل، فيقال لنا إن عدم وجود روابط مع الأماكن سيُشعرنا بالخفّة ويكون مبهجًا، في حين أن وجود مرساة سيكون مرهقًا وثقيلًا. وبذلك تزايدت أعداد "اللامنتميين" في العقد الأخير، خصوصًا مع موجات اللجوء والانتقال إلى بلدان جديدة والحصول بعد حين على جنسياتها.

يردّد هؤلاء فكرة واحدة كأنّها بديهية غير قابلة للتشكيك، مفادها أن وطن الإنسان الحقيقي ليس بلد مولده إنما حيث يتمكن من ممارسة حريته الفردية، وحيث تتوفر له ظروف معيشية أفضل. ويقولون إن الشعور بالانتماء لبلد الولادة وهمٌ تخلصوا منه. ويسخر هؤلاء مع شعور بالتفوق من أي انتماء إلى مكان أو جغرافيا معينة، فما بالك ببلداننا التي تنعدم فيها أساسيات الحياة، تلك البلدان التي يجردون ماضيها وحاضرها ومستقبلها من أي روح، فتصير جيفة لا تستحق حتى الترحم.

أما الذين يعصف بهم الحنين بين حين وآخر لتلك البلاد التي لا تصلح للعيش، فيوصفون بالسذاجة والسخف. أُدرك أن إنكار الانتماء هذا يكون في حالات كثيرة آلية دفاعية لتجنب تبعات الانفصال وآلامه.

كانت لي حياتان متوازيتان لم يستطع أن يفرَّ أحد من إحداهما إلى الثانية، حتى بدأتُ أشك بوجود ذلك الماضي الذي لا دليل عليه إلا في ذاكرتي

يستشهد "اللامنتمون" بمقولات لأدباء ومفكرين وفلاسفة، تكون غالبًا مبتورة من سياقها، لتأكيد وجهة نظرهم اللامنتمية. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما صادفتُ على "فيسبوك" عبارة تُنسب إلى نجيب محفوظ:

"وطن المرء ليس مكان ولادته، ولكنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولاته للهروب".

وهذه العبارة جاءت على الأغلب على لسان إحدى شخصياته. وبغض النظر عن صحة تلك المقولة وعمقها، فإنّ من يتداولها يتناسى أن نجيب محفوظ نفسه لم يغادر مصر برغم كل الظروف التي واجهته، وكادت في فترة ما أن تودي بحياته، وكان بإمكانه بسهولة أن يختار بلدًا يُجنّبه كل صعوبات الحياة، ويوفر له ظروفًا أفضل ليُكمل ابداعه على أن يستمر في العيش في بلده حتى رحيله عن عمر 94 عامًا.

لذا، على عكس ما يروج كُثُر، لا يمثل الوطن لي مجموعة شروط ومفاهيم متعلقة بالظرف الاجتماعي والحرية والديمقراطية التي تتوفر جاهزة في بلدان مستضيفة لم يكن لنا يد في تكوينها. بتبسيط شديد، وربما مخل، أفهم علاقتي بالوطن كالعلاقة مع العائلة والوالدين بالأخص، لا تحكمها العقلانيات دائمًا. نختلف معهم، نرفضهم أحيانًا، وقد تصل بنا الأمور الى كرههم والقطيعة معهم. لكنّ هذا لن يغيّر في حقيقة أنهم والدينا الوحيدين الذين لن نختارهما، ولن يحل محلهما أحد، مهما توافرت فيه الصفات التي تناسبنا.

(3)

يعيش الإنسان عادة حياة واحدة يرتبط فيها الماضي بالحاضر بالمستقبل، بما فيهم من بشر وخبرات وتراكمات عاطفية وفكرية. لكن حين ينفصل الإنسان عن بلد مولده وينتقل إلى بلد جديد، يتمزّق هذا الرابط، حيث كل انتقال هو تمزّق من شأنه أن يعيدنا إلى التمزق الأول (الولادة)، وفق تعبير الكاتبة الفرنسية كلود مارين في كتابها الفلسفي "التمزق"، والذي ترى فيه أن علينا إثر كل انتقال إعادة تعلم لغة مختلفة أحيانًا، ورموز اجتماعية جديدة، وطرق مغايرة للتفاعل مع الآخرين. إنها طريقة جديدة للوجود في العالم، طريقة جديدة لتجسيد الذات.

فجأة، لا يعود لديك مكان، وهويتك تصبح مجزأة، وتفقد لغتك الأم، وثقافتك، ووظيفتك، وعاداتك. وقد تفقد جزءًا من نفسك، وعليك أن تبني أو تعيد بناء كل ما كنت تعتبره أمرًا مفروغًا منه.

أتذكر في السنة الأخيرة لوجودي في لبنان، وكان قد مرّ على انتقالي إليه تسع سنوات. كانت حياتي قد تمزقت إلى اثنتين لا مشترك بينهما، حياة داخل البلد بناسها وتجاربها وذكرياتها، وحياة تالية بدأت في البلد الجديد ولم أكن إلى حينه قد صادفت شخصًا من الحياة السابقة. وكنت أعيش وسط مجتمع جديد مختلف عن المجتمع السابق، الأصدقاء فيه والمعارف مختلفون، ومن دون أهلٍ أو أقارب، وفي بقعة جغرافية مختلفة.

هكذا، كنتُ أعيش مبتور الماضي، مقتلَعًا منه مغروسًا في الحاضر من دون جذور. كانت لي حياتان متوازيتان لم يستطع أن يفرَّ أحد من إحداهما إلى الثانية طيلة تسع سنوات، حتى بدأتُ أشك بوجود ذلك الماضي الذي لا دليل عليه إلا في ذاكرتي.

كنت في سوبر ماركت كبير في الحي الذي أقيم فيه ذات يوم، وبينما أنتظرُ دوري في قسم اللحوم، مرّ بجانبي شخص يجرّ عربة التسوق. وقبل أن يقوم عمّال الأعصاب بنقل الداتا الخاصة بالصورة التي التقطَتها عيناي، أمسكْنا قلبي، أقصد أنا وأعضائي، وأخذنا ننظر في اتجاه الشخص الغريب.

كنتُ أنظر إليه بعينيّ وأنفي وكبدي وحتى أصابع قدمَي. كان شخصًا من الحياة السابقة، كأنّه فرّ من الماضي عبر آلة الزمن. لم يكن شخصًا ذا أهمية في حياتي، ولا كان من المقربين. لكنه كان يحمل الكثير من صفات عالمي السابق، من مدينتي. جمعتني به فرقة مسرحية، وتعرّفت إليه قبل عام من انتهاء حياتي الأولى. أي أنه من آخر رجال ذلك العالم. لقد كان إثباتًا على وجودي السابق.

لفت انتباه الرجل الغريب كومة الأعضاء البشرية التي تنظر إليه بشكل مريب. فالتفتَ إليّ ثم عاد ليكمل طريقه، لكنّي همست لنفسي "توقّف أنت تعرفني". بقدرً من التردد، وكأنّه توهّم سماع همسٍ ما، توقّف ونظر إليّ مستفهمًا عن سبب تحديقي به. أمّا أنا، فأطلقت نظري محاولًا تثبيته في مكانه.

أذكر قول أمي في نزوحها الأول الذي لا يخلو من تهكم مرير: "لو أعرف رجعتنا مطولة كنت جبت تراب من جنينة بيتنا، بيدفّوا الواحد بقبرو بالغربة"

وسط تحديقي الغبي الذي بدا توسّلًا بأن "اعرفني أيها الغريب"، همس هو بشكل مرتبك: "شو"؟

أجبته وأنا أسترجع في مخيلتي كل اللحظات التي جمعتنا: شايفك، وين؟!

ردّ مجاملًا: وأنا شايفك.

ثم ركعت نظراتي على ركبتيها: أرجوك تعرّف علي، أنا أعرفك جيدًا. وكأنّي ميتٌ. وكأنه زائرٌ من الأحياء.

لكنه سارع بوضع نهاية للموقف المحرج بأن قال ملاطفًا: "يلا فرصة سعيدة"، وتابع طريقه. تسمّرت في مكاني أراقب بعينين أصغر من المعتاد، حياتي السابقة وهي تغادر المكان.

وبدل أن يكون هذا الموقف البسيط بمثابة ترميم للتمزق الذي أعانيه، كان السكين الذي عزّزه.

إذا كانت الولادة تُعتبر الانفصال الأول، فإن المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن الموت هو التمزّق الأخير، حيث تُقطّع أوصال الميت وتُجزّأ بالفعل. ألسنا نخسر مع كل انفصال عن البلد الأم وانتقال إلى بلد جديد جزءًا منّا؟ وكل انتقال يحمل خطرَ ألا يُستبدل هذا الجزء تاركًا محله مجرد خواء.

(4)

أكثر ما يصيبني بالحيرة من مخاوف المغتربين، رُعبهم من الموت خارج بلادهم. لا يتملّكني هذا الرعب، ويمكنني أن أموت في أي مكان. لكنّي صادفتُه لدى أصدقاء كثيرين ردّدوا أمامي رغبتهم في أن تكون نهاية حياتهم في بلادهم، وما زلت أذكر قول أمي في نزوحها الأول الذي لا يخلو من تهكم مرير: "لو أعرف رجعتنا مطولة كنت جبت تراب من جنينة بيتنا، بيدفّوا الواحد بقبرو بالغربة".

وبالعودة إلى المصريين القدماء، فقد أطلقوا على هذه الرغبة وهذا الرعب وصف "رعب الغربة". وكانوا يرون أن أقصى ما يسعى إليه المرء في هذه الحياة، هو أن يكبر ويُدفن في موطنه. وكان التفكير بالموت والقبر بالنسبة لهم، كما التفكير بالولادة، يعني التفكير بموطن الميلاد.

تقول إحدى النقوش:

إذا أصبح تمساحًا عجوزًا في مكان ما

فإنه يريد أن يموت في القناة، التي هي مدينته

وعندما يريد ثعبان أن يرتاح

فإنه يبحث عن حجر ليزحف داخله

أيها الإله، كائنًا من كُنت والذي دبّر هذا الهروب

فلتكن رحيمًا، وعُد بي ثانية إلى مقر الملك!

واسمح لي مرة أخرى أن أرى المكان، الذي سكن قلبي فيه دائمًا

فليس أعظم من أن يُدفن جثماني

في البلد، الذي وُلدت فيه.

(5)

أنهيتُ العمل على مجموعتي القصصية الأخيرة قبل أشهر، وقد جاء عنوانها "نظرة أخيرة على أشجار الكرز" دلالةً على وداع أخير للبلاد. أشجار الكرز هي آخر ما يراه الهاربون من البلد عبر المعابر الجبلية الممتدة من جبال القلمون السورية حتى عرسال. هي نظرتهم الأخيرة للبلد.

 كنتُ قد قررت أن تكون هذه القصص نظرة أخيرة لي على تلك البلاد وقصصها وحيوات أناسها، وأن أبدأ تجربة كتابة مختلفة شكلًا ومضمونًا. ولكن ما إن بدأتُ بمشروعي الجديد، حتى وجدتُ نفسي أكتب عن تلك البلاد مرة أخرى.

*      *      *      *

الكاتبة الروسية نَديجدا طيفي كانت قد هاجرت إلى باريس عام 1919 واستقرت فيها حتى موتها، ودُفنت في مقبرة روسية بالقرب من قبر إيفان بونن. كتبت قصصًا عديدة عن حياة المهاجرين الروس في فرنسا. كانوا مهاجرين من كل الأطياف؛ فقراء، وانتهازيين، وضباط سابقين. صوّرت بؤسهم وضياعهم بتهكّم حزين. وحتى حين تعلو السخرية في قصصها فإنها لا تخلو من تعاطف. تعاطف المنتمي لهؤلاء المهاجرين، هي التي عاشت آخر حياتها في فقر وعزلة.

تبدأ إحدى قصصها بلاجئ يُخبر صديقه بعد تفكير طويل يتلوه ضحك ساخر أنّه، ختامًا لكل شيء، يبدو أنه بدأ يشعر بالحنين.

ثم تُعلق الكاتبة:

"يجيء مهاجرونا منهَكين، مسوَدَّين من الجوع والخوف، فيشبعون بعد جوع، ويطمئنّون، ويتبصّرون كيف لهم أن يتدبّروا حياتهم الجديدة، ثم فجأة يخمدون.

تبهُت عيونهم، تسيل أيديهم الذابلة، وتذوي روحهم، الروح المتطلّعة إلى الشرق."[1]

 


[1] المقطع بترجمة د. نوفل نيّوف عن الروسية


"أعطني أدويتي، أطلق يديّ"

منذ أسبوعين وأنا ألجأ إلى الصيدليات محاولاً إيجاد أدويتي التي عليّ أن أتناولها يومياً مدى الحياة،..

نور دكرلي
غروبُ بيروت

أسرعتُ أنا بحكم تجربتي السورية إلى غرفةٍ أخرى لأنتشل حقيبةً صغيرةً فيها بعض أوراقي ونقود قليلة. ربّما..

نور دكرلي
بحر وجبل

عجزتُ عن تكوين صداقات دائمة هنا، أعزو ذلك إلى "اختلاف الهمّ"، بالإضافة إلى أنني لست من روّاد مقاهي بيروت..

نور دكرلي

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة