الحركات الجهادية في سوريا 2011: الجذور الاقتصادية - الاجتماعية

منذ انطلاق التحولات الاقتصادية في سوريا حتى بداية "الأزمة" عام 2011، تسبّبت التغيّرات الهائلة في البنيان الاقتصادي - الاجتماعي بشروخٍ عميقة على امتداد الخريطة السورية. تحلّل هذه المقالة جذور المظالم التي دفعت البعض إلى سلوك طريق التطرف، والالتحاق بالجماعات الجهادية.

 


بدأت سوريا عمليًا تحوّلها الاقتصادي منذ بدايات العقد الأول من الألفية الثالثة، وانتقلت رسميًا لاقتصاد السوق الاجتماعي في العام 2005. كان مسار التحوّل الذي اختير مشابهًا للنموذج الغربي لجهة إشراك القطاع الخاص في الأنشطة الخدمية والتنموية، مع انسحاب تدريجي للدولة من الشأنين الاقتصادي والاجتماعي. وتزامنت هذه السياسات مع رفع الدعم عن العديد من السلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء ومصادر الطاقة المختلفة التي كانت تشكل "خط الردع الأول" لغالبية السكان لجهة إبقائهم فوق خط الفقر. ومن نتيجة السياسات النيوليبرالية، تحقيقُ مكاسب واضحة الأثر لبضع مئات من الأشخاص وبعض المستثمرين الأجانب – الأتراك والخليجيين على وجه الخصوص  – على حساب ملايين السوريين. وقد تركّزت الاستثمارات في القطـاعات الخدمية والتجـارية والمالية على حساب القطاعات الإنتاجية. ولم تستطع تلك القطاعات أن تمتصّ فائض العمالة الناتج من هذا التحول، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الفئات الشابة، وهو ما فاقم من حدّة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وبرغم إشارة العديد من الاقتصاديين إلى خطورة هذه الإجراءات، كانت وجهات النظر الداعمة لسياسات التحول النيوليبرالي تنفي هذه المخاوف، عبر استعراضها بعض أرقام الاقتصاد الكلي ومؤشراته، من بينها تحقيق معدل نمو اقتصادي قارب 5% في الفترة ما بين 2005-2010، وانخفاض معدلات البطالة إلى 8.2% في العام 2010، ناهيك عن المؤشرات الإيجابية في مجالي التعليم والصحة. لكن آذار 2011 كشف خللًا "غير معلن" في هذه المؤشرات، وأظهر جدّية مخاوف الاقتصاديين، والتي تجاوزت التوقعات في العام 2012 وما بعده، أي منذ الإعلان عن تشكيل حركات "جهادية" تحت مسميات مختلفة، مثل "حركة أحرار الشام"، و"جيش الإسلام"، و"لواء التوحيد"، و"جبهة النصرة"، و"هيئة تحرير الشام" وغيرها. وكان أخطر تلك التطورات انتشار تنظيم "داعش" في العام 2014 في العديد من المحافظات السورية من الرقة إلى إدلب ودير الزور وحلب. كل هذا يجعلنا نتساءل: كيف يمكن لدولة بلغت مؤشراتها الاقتصادية والاجتماعية، مثل دخل الفرد والعمالة والصحة والتعليم، معدلات جيدة نسبيًا، أن تظهر لدى مواطنيها نزعة للتطرف العنيف المتمثل في الأعمال الجهادية. وما هي أسباب بروز هذه الحركات؟ ولماذا تركزت أعمال التطرف في بعض المناطق فحسب؟

المظالم الاقتصادية والاجتماعية للتطرّف

بشكل عام، لا يمكن أن ينشأ التطرف من فراغ، ولا يجب أن يُنظر إليه من زاوية واحدة. فالتطرف عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد، ناجمة عن تشابك مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية وغيرها. لذا، لا يمكن تحديد عامل واحد يمكن أن يُنسب إليه تعزيز نزعة التطرف لدى الأفراد. في هذه المقالة، سيتركز التحليل على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للتطرف، أو ما يعرف بـ"الجذور"، أي العوامل السببية التي من دونها ما كان ليحدث التطرف. لا يعني ذلك أن كلًّا من هذه الأسباب هو شرط ضروري لنشوء الميل للتطرف، إذ إن نزعة الأفراد للتطرف تختلف من مكان لآخر، ومن شخص لآخر، ومن فترة زمنية لأخرى. لكن هذا لا ينفي وجود بعض القواسم المشتركة بين من انضموا "أو رغبوا ضمنًا بالانضمام" إلى الجماعات الجهادية. فغالبية المنضمين من جيل الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 18و24 عامًا، وكانت أكثر المناطق دعمًا للحركات الجهادية هي تلك التي يفتقد فيها غالبية لسكان لأدنى حقوقهم الإنسانية في المأكل والمسكن الملائم والعمل اللائق والتعليم الجيد. يُظهر الشكل أدناه، الذي يقارن بين التوزع النسبي للسكان والتوزع النسبي للناتج المحلي الإجمالي وفقًا للأقاليم التخطيطية السبع، أن الإقليم الشرقي (الحسكة والرقة ودير الزور) والإقليم الشمالي (حلب وإدلب) كانت حصتهما من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نسبة عدد سكانهما، برغم تركز الموارد البتروليّة والمائية والزراعية الاستراتيجية في هذين الإقليمين. بلغت حصة الإقليم الشرقي من الناتج المحلي الإجمالي 11.86% فقط، علمًا بأن نسبة سكانه تشكل 17% من إجمالي عدد السكان، فيما حصّة الإقليم الشمالي من الناتج بلغت 27.71%، علمًا بأن نسبة قاطنيه تبلغ 30% من إجمالي عدد السكان. ويشير هذا إلى وجود خلل تنموي بين الأقاليم، حيث يستحوذ إقليم دمشق الكبرى (دمشق وريفها) على 22.6% من الناتج، علمًا بأن نسبة سكانه تبلغ 19%. وهو ما يمكن أن يكون سببًا وعاملًا مفسرًا لانتشار الجماعات الجهادية الإسلامية في هذه المناطق، ربطًا بعدم حصولهم على نصيبهم العادل من الدخل.
 

 


ولجهة "مؤشّر الحرمان من فرص التنمية" الذي يغطي ثلاثة أبعاد (نقص التعليم والبطالة وتدني مستوى المعيشة)، تُظهر الخريطة أدناه أن المؤشر هذا يتراوح بين مرتفع وشديد الارتفاع في معظم مناطق الإقليم الشرقي. كذلك الأمر بالنسبة للبادية السورية وبعض المناطق في شمالي حلب وإدلب، وهي المناطق ذاتها التي انطلقت منها الجماعات الجهادية وأعمال التطرف. أما على صعيد "التعليم العالي"، فلم تتجاوز نسبة التحاق الطلاب بالتعليم العالي في المنطقة الشرقية 8% من السكان مقارنة بـ 35% في المنطقة الساحلية (اللاذقية وطرطوس) و23% في إقليم دمشق الكبرى. يُظهر ما ذكر أعلاه غياب العدالة التوزيعية للدخل واختلال التنمية بين الأقاليم المختلفة، وهو ما ساهم في زيادة الشعور بالتهمـيش، ليس لدى الأفراد فحسب، بل أيضًا لأن مجموعة الأفراد باتت فقيرة. كلّ هذا ولّد حالة من الإحباط التي جعلت المظالم الاقتصادية والاجتماعية (من فقر وبطالة وتدن في مستوى التعليم) حافزًا للتطرف وللانضمام إلى الجماعات الجهادية. 

 

الجذور الاقتصادية والاجتماعية للحركات الجهادية في سوريا

يمكن تصنيف الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي قادت الأفراد والجماعات إلى التطرف تبعًا لثلاثة أبعاد: المظالم الاقتصادية والاجتماعية، والفرص الاقتصادية والاجتماعية، وهما بعدان مترابطان، ويشكلان عاملًا مباشرًا لزيادة الميل للانضمام إلى الحركات الجهادية، فيما يتمثل البعد الثالث – الذي لا يقل أهمية عن المظالم والفرص – بالسرديات والروايات الاقتصادية والاجتماعية. - شكّلت المظالم الاقتصادية والاجتماعية أساسًا للشكوى والتذمر، سواء من خلال خلق الدوافع الفردية في تعزيز التطرف الفردي وتحفيز الأفراد على استخدام العنف، أو من خلال مساهمتها في التشكيك بشرعية الدولة، وبالتالي في تعزيز الميل الجماعي لدعم الجماعات المتطرفة/العنيفة أو حتى الانضمام إليها. - كذلك أدى الغياب (النسبي) للدولة وخدماتها عن بعض المناطق، خصوصًا المناطق الحدودية السورية - التركية والسورية - العراقية، ومعه غياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية، إلى استغلال الجماعات الجهادية أو جهات أجنبية (دول و/أو أفراد) هذا العامل، وتحويله إلى فرصة لزيادة الميل للتطرف، وذلك من خلال توفير الموارد أو تقديم الخدمات الاجتماعية لفئات السكان الذين عانوا من المظالم الاقتصادية والاجتماعية. - أما السرديات والروايات الاقتصادية والاجتماعية حول الفقر والمظالم الاجتماعية المتصوّرة، فلم يكن دورها أقل من البعدين السابقين، حيث تم تضخيم السرديات حول الفقر لدى فئة دون أخرى، وتركّز الثروة والمناصب لدى فئة دون أخرى. وقد عزز من صدقية هذه الروايات بعض التقارير الدولية، مثل "مؤشر الدول الهشة" المكون من مجموعة مؤشرات فرعية، حيث بلغ المؤشر الفرعي "عدم المساواة الاقتصادية" في المتوسط 18 خلال سنوات ما قبل الحرب (2006-2010)، أما مؤشر "المظالم الاجتماعية" فلم ينخفض عن 8 نقاط. في المقابل، بلغ مؤشر "سيطرة النخب" بالمتوسط خلال الفترة ذاتها 8.62، علمًا بأن الحد الأقصى للمؤشر هو 10 نقاط. وبالتأكيد، لا يمكن حصر أسباب ظهور الميل للتطرف بالبعد الاقتصادي فحسب، إذ لا ينبغي الاستهانة بـ"قضايا الهوية الشخصية والمشكلات الأوسع للتهميش والعنصرية والإقصاء الاجتماعي التي عملت مجتمعة كمحفّزٍ للتطرف العنيف". لكن مما لا شك فيه أن العامل الاقتصادي يؤدي دورًا مزدوجًا في تعزيز الميل للتطرف، سواء من حيث كونه عاملًا مباشرًا ساهم في ذلك، أو من خلال استغلال العوامل الاقتصادية وظهور أثره غير المباشر في تضخيم العوامل الأخرى التي دخل منها التطرف. من هذا المنطلق، لا بدّ من معالجة الآثار المترتبة عن عدم تحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وصياغة مقاربة تنموية ترتكز على الحد من المظالم الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق نوع من التوازن بين المناطق، مع التركيز على المناطق الأكثر حرمانًا، لقطع الطريق أمام الجماعات الجهادية وجهات أخرى من استغلال الفرص الاقتصادية والاجتماعية الذي يخلقها غياب الدولة وتقصيرها. فالاستمرار وفق المنهج السابق يهدد الاستقرار، ويقوّض أي آلية تنموية مستدامة.  


الإمبراطور المؤدلج.. رأسه أو الحرب

على الأغلب أن الأميركيين هم خلف حملة تحريض النخبة الصينية وبث الخوف لدى الرئيس الصيني "شي"، ليتجه نحو..

حسام مطر
في موازنة 2023 السوريّة: نظام ضريبي للأثرياء

أدى دعم دخل رأس المال والاعتماد على ضرائب الاستهلاك غير المباشرة إلى خلق نظام ضريبي تنازلي بشكل متزايد..

رشا سيروب
الصين والغرب: دوافع الصراع

كيف يمكن تفسير مقاربة بكين للعلاقة بالجوار الصيني، الذي ينتقل سريعًا إلى التحالف مع الولايات المتحدة..

محمد صالح الفتيح

اقرأ/ي أيضاً