كرة القدم، عين الشّمس السحرية

هذا أول مونديال لي خارج سوريا، لا أكتب الجملة لأسباب تتعلّق بالحنين، بل لأقول إنّني في هذه المرة فقط أشعر بأنني لم أحضر المونديال، فأنا لا أجده في الشوارع التي أمرّ بها، ولا في أصوات الجيران، المحال لا تبيع الأعلام.

رأيتُ الشمس ساطعةً على علمٍ تدلّى حديثًا فوق واجهة بارٍ أمرّ به يوميًّا، قلت: وأخيرًا يوجد في المنطقة ما يوحي بأن المونديال انطلق.

أحبّ الشمس أينما وُجدت: مطبوعةً على علم بلاد اسمها الأرجنتين، موشومة على ظهر صديقة أحبّها، في سماء مدينة أسكنها نالت هذا العام لقب المدينة الأكثر إشراقًا في أوروبا بمعدل وسطي قوامه 349 ساعة شمس في الشهر.

("الحياة طويلةٌ جدًّا" ت.س. إليوت لم يكن أوّل شخص يقولها، وبالتّأكيد ليس أوّل من فكّر فيها، ولكنّها أصبحت له لأنّه أوّل شخص أزعج نفسه بكتابتها).
August Osage County*

"الشمس تشرق من المغرب"، لا أعرف من أوّل شخص أزعج نفسه بكتابتها كي أنسبها إليه، لكنها ستظلّ العبارة المرافقة لصعود منتخب المغرب العربي إلى ربع نهائي كأس العالم بعد فوزه على منتخب إسبانيا.

في مثل هذه الأيام من سنة 2018، كنت في مدريد لأول زيارة. أقمنا مثل كثير من السياح في استديو صغير يطلّ على ساحة بويرتا ديل سول Puerta del Sol أو باب الشّمس.

رأيت مشجعين يلبسون الأحمر ويملؤون الساحة بالأعلام والهتافات والغناء والرقص، ثم وجدت نفسي بينهم، أهتف معهم بلغةٍ كانت غريبةً عليّ حينها، لفريقٍ كان مجهولًا بالنسبة لي لحظتها. ثمّ فهمت أننا على بعد يومين من حدث يترقّبه محبّو كرة القدم في العالم، خصوصًا في بوينس آيرس، هو "السوبر كلاسيكو" بين فريقي Boca Juniors، و River Plate الأرجنتينيين، وقد تقرّرت استضافته في ملعب سانتياغو برنابيو، بدلًا من العاصمة الأرجنتينية لأسباب أمنية.

بعدها صرت أدرك من هؤلاء الّذين يلبسون الأزرق في المترو، ومن الّذين بلونهم الأحمر، مرّروا حماسًا غير مفهومٍ إلى قلبي، ولم يكن ليفرق في الأمر شيئًا لو تغيّر اللّون حينها. الإعلام الرياضي كان يقول إنّ حمّى الكلاسيكو انتقلت من الأرجنتين إلى إسبانيا، ويبدو أنها أخذتني في طريقها أيضًا.

أفكّر ماذا لو تواجه بعد برهة منتخبا البرازيل والمغرب؟

جرّبنا أن نحجز بطاقات لمشاهدة المباراة، لكن بدأت تصلنا تحذيرات من أعمال شغب قد تحصل يومذاك، بالإضافة إلى نفاد البطاقات بسرعة قياسيّة. قلنا حسنًا نذهب لنعيش الأجواء في منطقة الملعب ونشاهد المباراة في إحدى المقاهي القريبة.

وصلنا قبل ساعاتٍ من الموعد، كانت الإجراءات الأمنية شديدة في المنطقة، بينما يتدفّق سيل المشجّعين. كانت أوّل مرّةٍ أرى - خارج التلفاز - رجال شرطة يمتطون الأحصنة، يقرّبونها من المشجعين لتشبّ قبالتهم وتردعهم عن التقدم. كدتُ أهلع، لكن سرعان ما تذكّرت من أين أنا قادمة وكيف يُردع الناس عادةً. أدرت فوهة الدبابة من رأسي وتابعت توثيق الحدث الكرويّ بصريًّا.

في تلك اللّيلة لم نستطع النّوم لأن المشجعين الحمرعادوا إلى ساحة باب الشمس، وظلّت احتفالاتهم بالفوز قائمة حتّى الصباح.

في الليلة الماضية توافدت إلى بويرتا ديل سول، حشود من المشجعين يلبسون الأحمر أيضًا، إلاّ أنني هذه المرة أعرفهم، فنحن نملك اللغة الأم ذاتها. ورغم أنني أبعد عنهم ساعتين بالقطار السريع، فقد أخذتني حمّى الفوز التاريخيّ في طريقها، لأشاركهم الرّقص والهتافات والفرح.

في مثل هذا الشهر من العام 2010 كانت فرحتي كبيرة حين فازت قطر باستضافة مونديال 2022، فأخيرًا سيكون من اليسير بالنسبة لي حضوره، خصوصًا أن صديقة عمري كانت تقيم هناك. من نافلة القول إن الأحوال تغيرت، الصديقة هاجرت من جديد نحو بلاد ثانية، والحياة التي كنّا نعرفها في ذلك الوقت تهشّمت.

أول فرصة ضائعة لحضور جزء منّي المونديال كانت في الـ94، حين عاد والدي من سفارة الولايات المتحدة الأميركية في دمشق، مع رفض تأشيرة. كان غضبه عارمًا لأسباب مختلفة: موظّف السفارة أبدى شكوكًا بكون هدف الرحلة هو اللحاق بـ"الحلم الأميركي" والبقاء هناك. لم يكن الوعي العام في ذلك الوقت معتادًا على إغلاق السفارات أبوابها في وجهه، أو التشكيك بنوايا هجرة وما شابه. لا يعود السبب إلى موقف السفارات منّا، ففي جوهره دائمًا ما كان على هذه الشاكلة، بل إلى قلّة من كانوا يدقّون أبوابها في تلك الحقبة. شتم أبي أميركا على أرض سفارتها، ليضعوا له علامة رفض سوداء.

فاز في ذلك المونديال الفريق الذي لا أعرف نفسي إلاّ وأنا أشجعه، بعدما فوّت حبّ الطفولة الأول ركلة الترجيح الأشهر في العالم. فريقي المفضّل حمل كأسًا حطّم به قلب حبّي الأول بشعره المعقوص على شكل ذيل حصان لا يرهب المشجّعين. أدركت في مرحلة مبكرة من عمري أنّ الحبّ ليس لطيفًا بالضرورة، بل يضعك في مواجهة دائمة مع خيارات تؤلمك. لكنّني كلّما أحببت نسيت ذلك في البداية.

أفكّر ماذا لو تواجه بعد برهة منتخبا البرازيل والمغرب؟

أرى تسجيلات وصورًا لأصدقائي في مقهى الروضة في دمشق بعد صدّ بونو لركلتي ترجيح إسبانيتين، بينما تعاد المباراة على شاشة في النادي الرياضي الّذي أقصده هنا، ورجلٌ واحدٌ يتابعها بملامح حياديّة. الناس داخل شاشة موبايلي تكاد تطير، وبدا لي أن الشمس التي «أشرقت من المغرب» قد أنارت عتمة دمشق في تلك الدقائق.

هذا أول مونديال لي خارج سوريا، لا أكتب الجملة لأسباب تتعلّق بالحنين، بل لأقول إنّني في هذه المرة فقط أشعر بأنني لم أحضر المونديال، فأنا لا أجده في الشوارع التي أمرّ بها، ولا في أصوات الجيران، المحال لا تبيع الأعلام، والنّاس الّذين ألتقيهم يصلهم ما يحصل في قطر على هيئة خبر جريدة لا أكثر.

باب الشمس، يصلح كي يكون أيضًا اسمًا للتلفاز الصغير في غرفة معيشة أهلي، حيث رفع فريقي المفضل الكأس للمرة الخامسة قبل أعوام طويلة.

عن قيد “الخوف”‎

سجن خوفنا السوري، ليس مرتبطًا بمنظومة حكمٍ فحسب، بل بجوٍ اجتماعيّ يربي الخوف فيك من نفسك، من أفكارك،..

مريم س.
عناق من طرف واحد

كان العناق لدى الغالبية أشبه ببضاعة ممنوعة التداول. برغم ذلك، بدا أحيانًا كسرقة لا بد منها، كتدخين..

علي الرميض
سنابل، شُهَدا، وحمام

هل يخجلُ البحر من روح أبي وأرواح الضحايا وهي ترفرف فوقه عاتبةً مكلومة؟ ليس الذنب ذنب البحر البتّة. الذنب..

هلا علي

اقرأ/ي أيضاً