نحو آخر النفق

يخرج منذ أربعة أشهر ملثمون من تحت أرض غزة. قيل إنهم بنوا مدينة تحت المدينة. فيها دهاليز مرّت عبرها مواد خام كثيرة، كأنها سفينة نوح. ثمة من قال لهؤلاء منذ عقود إن مكانهم تحت الأرض.

أجلس في مقهىً في حي صغير في نيويورك، فيما تصدح أغاني Abba في الخلفية، يكمّمها من حين إلى آخر صوت طاحونة البن.

رائحة القهوة تفوح من الزوايا، يحملها بعض هواء تسرّب من الباب في يوم شتاء مشمس.

يُفتح البابُ فيدخل عاملُ أشغال في سترة صفراء، ليسأل عن صاحب سيارة "هيونداي" مركونة في الخارج.

يبدو لي أن فريقًا من أشغال الطرق يستعدّ لحفر الطريق.

الشابة البيضاء ذات الشعر البنفسجي تهمّ بالرحيل عن الطاولة المجاورة. أنظر إليها وهي تعدل كوفيتها، ثم أنتظر أن يبدأ فريق الحفر خارجًا بالعمل. أفكر في النفق وأتخيل مدينة تحت المدينة.

إنه يوم عادي رتيب. لا أنفاق تحت سوى المترو، ولا طائرات فوق سوى تلك المتجهة إلى مطار "لاغوارديا".

*   *   *

منذ أن بدأت الحرب، أفكر بالأشياء من حولي منقسمة في عالمين: عالم تحت الشمس، وآخر تحت الأرض. أتذكّر ملجأ بيت أبو مالك.

1995

"لدينا عند منزل جدي أبو مالك ملجأ". هكذا أخبرني باسل متفاخرًا ونحن نلعب. قال ذلك غير مرة وهو يحكي كيفَ قتلت إسرائيل جدته لأمه:

 "كانت تعد السندويشات للأحفاد فتأخرَت في النزول إلى الملجأ".

لم أهتم كثيرًا بخبر الجدة، لأن الملجأ كان التفصيل الأهم. لم أكن قد رأيت ملجأ من قبل. فظل الملجأ مكانًا متخيلًا، إذ لم تسمح أم مالك للأطفال بالنزول إليه.

كان في مخيلتي مكانًا آمنًا من السماء.

نزلتُ إلى الملجأ مع أختَيْ بعد سنة، أثناء عدوانٍ لإسرائيل على جنوب لبنان. أذكر منه جدرانًا غير مطلية، وغرفةً صغيرة لا تسع أهل الحي، ورائحةَ رطوبة خانقة، وشعورًا وجيزًا بالأمان.

*   *   *

أن نحتجب هو الفعل الوحيد أحيانًا الذي نستطيعه إزاء الاستباحة.

في كوابيسي أخاف من الانكشاف على السماء. أنظر في أحدها إلى وابل الأشياء وهي تسقط. البحر في المشهد دائمًا. أركض لأحتمي، ولكن لا أسقف فوق. يرانا الطيار واحدًا واحدًا. أدرك جيدًا أنها التروما والتروما المتوارثة. تحكي لنا أمي كيف طلب الإسرائيليون من أهالي مدينة صور المبيت على شاطئها أثناء اجتياح عام 1982. "تلحّفت وأطفالها السماء". لا ملجأ، لا سقف، لا نفق، فقط السماء.

*   *   *

أعود بأفكاري إلى غزة اليوم.

يخرج منذ أربعة أشهر ملثمون من تحت الأرض. قيل إنهم بنوا مدينة تحت المدينة. فيها دهاليز مرّت عبرها وجبات الكنتاكي الساخنة وألواح الطاقة الشمسية ومواد خام كثيرة، ومواشٍ، وكأنها سفينة نوح.

ثمة من قال لهؤلاء منذ عقود إن مكانهم تحت الأرض. ولكنه غضب عندما صنع هؤلاء من تحت الأرض مكانًا يديم الحياة فوق. غُيبت الأرض من الخريطة لعقود، وطُلب من أهلها الاختفاء. ولكن لا الاختفاء ولا الظهور أرضى ذلك الكائن الفاشي. أسأل نفسي لماذا يُستفز هذا "الأخ الأكبر" من الحضور ومن الغياب معًا؟ مما على الأرض وتحتها؟ 

يتوارى المُستباح ليقول إن جسدي هو الجبهة الأخيرة. لكنّ وَلَه المستعمرِ بالإسفار قديم. والفلسطينيُ ممنوع أن يكون مجهول الهوية ـــ إلا ميتًا في مقبرة جماعية.

يقول رئيس الوزراء البريطاني، على سبيل المثال، في تصريح منذ أيام، إن الشرطة البريطانية ستتخذ إجراءات لمنع الأشخاص في التظاهرات المؤيدة لفلسطين، "من حجب وجوههم".

في "إسرائيل"، يلقّم حراسُ المعابر برمجياتِ الذكاء الاصطناعي وجوهَ "الإرهابيين المحتملين". مذهلٌ أن تستطيع هذه البرامجُ التمييز بين أسمر وأسمر. ليست هذه موهبة يبرع فيها المستعمر. ولكن إزاء استباحة المعالم، تظل الكوفية والنفق ساترًا يرفض الإذعان لحملقة المستبيح، للجدران الإسمنتية وبرمجيات التعرف على الوجوه، وبطاقات الهوية البيومترية، والطائرات المسيرة بالكاميرات، وسوى ذلك من وسائل اختراق الأجساد.

*   *   *

أنظر إلى اللثام الأحمر والأبيض، ثم أفتح هاتفي لأبحث عن صورٍ لجيش "زاباتيستا" في المكسيك، ذلك الجيش الأسمر الذي شكلته شعوب أصلية في ولاية تشاباس، والذي قرر أن ينتفض في عام 1994 اعتراضًا على تفعيل اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، ودفاعًا عن ملكية الأرض في وجه قمعٍ واستغلالٍ وعنصرية دامت لعقود.

ظل أصحاب الأرض هؤلاء يرتدون البالاكلافا السوداء، تعبيرًا عن رفض السياسات التي تكرّس التراتبية والطبقية، وتمجيدًا للعدالة الكامنة، برأيهم، في الرمزية التي تنطوي عليها حرية التلثُّم. قالوا عندما سئلوا عن اللثام: "إننا نخفي وجوهنا كي يرانا العالم".

النفق هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يقدم الفلسطيني فيه صكّ ملكية بلا منازع

أفكّر كيف قضى الفلسطيني أيضًا عقودًا يحاول فيها أن يُرى. طُلب منه الجلوس، فجاع. وعندما قرر الخروج مسالمًا بُترت قدماه. وعندما قرر أن يطير خلف السور نسف كامل وجوده.

هل كانت الحياة تحت الشمس خيارًا له أصلًا؟ ثمة من يرى أنه اختار الطريق المستحيل. ولكن الفلسطيني بجميع نسخه، حتى الأكثر استكانة، اعتُبِر كائنًا لا يستحق الشمس: تُصادَر منه السماء منذ أربعة أشهر. تسوَّى المباني التي يسكنها بالأرض. تُدفَن الجثث مع بطاقات الهوية في فجوات سحيقة، لتخرج، إن خرجت، بلا ملامح ولا أسماء.

أحيانًا أفكر في ما يفكر فيه هذا الكائن. أستحضر قانون لافوازييه لحفظ المادة فأتساءل: كيفَ تُبخِّرُ شعبًا من الوجود وتتوقع ألا يظل للفعل أثر؟ كيف تيتّم  طفلًا وتنتظر منه عندما يكبر أن ينتظم في  طابور على حاجز فصل عنصري، دون أن يحضر معه سكين المطبخ؟ كيف تبتُر الأطراف وتنتظر من الرأس أن يستكين؟ كيف لا يعتد هذا الكائن الاستراتيجي بالمنطق ولو مرة؟

هناك عدو وبحر ومسجون، وأطفال جوعى، فكيف يُستَهجن حفر النفق؟

يخيّل لي هذا الكائن رجلًا سيكوباتيًا يدخن سيجارة وهو يسمي الأصناف التي يسمح لها بالدخول إلى غزة. فقد قرر بعد بضع سنوات من بدء الحصار أن يمنع، على سبيل المثال، إدخال  الشوكولاتة، والشاي، والفاكهة المجففة، وغيرها من الأصناف المنتقاة اعتباطًا. ثم عدل  بعد ذلك عن رأيه.

يريد في الوقت نفسه ألا يكون غريبًا في وسط ما زال يلفظه، وأن يتقاسم معه خبزًا وملحًا.

يعلن، مع ذلك، قبل نحو شهرين بدء ضخ ماء البحر في الأنفاق، بينما يضطر سكان الأرض نفسها لشرب مياه مالحة. اليوم، أشاهد مقطع فيديو لشاب يحكي عن نفاد محلول "الماء والملح" من المستشفيات. يقول مبتسمًا: تخيل سخرية أن يموت المرضى، ونموت نحن، جوعًا، بدلًا من الموت تحت القصف.

وتقول وزيرة في الكنيست، قبل أيام، هاذية: "لا وجود لما يسمى الفلسطينيون". فهؤلاء الجوعى والقتلى، برأيها، لا وجود لهم. 

يختفي الفلسطيني وقتما تشاء الوزيرة، ولكن حذار أن يتوارى في نفق.

النفق هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يقدم الفلسطيني فيه صكّ ملكية بلا منازع.  

وقد يكون المكان الوحيد الذي لا يدّعي المستوطنُ ملكيته، ربما لأنه ليس جاهزًا للسكن بعد، أو لأنّ في ضيقه أمل مؤجل لا يحتمل سطوعه قاتلُ الأطفال.

إسرائيل تتقيّأ على العالم

أُدركُ أنه الذنب لأنّي نجَوْت. أمدُّ جسرًا من المشاعر بيني وبين أمهات غزّة اللواتي أهربُ من صورهن، وفي..

نورا بركات
الصورة الملكة

غزّة مقبرة جماعية. حقلُ دراسة لعلماء النفس والأطباء. فيلم هوليوودي مبالغ في أحداثه. غزة العليا بقعة..

نورا بركات
"أنا الطبيب غسّان أبو ستة"

في المنشورات الحزينة التي يرسلها أبو ستة إلى العالم الخارجي، تصويرٌ لقتامة المشهد، ولكنه يجد دائمًا..

نورا بركات

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة