الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب: مقدّمات موسم "الهجرة الصامتة" من فرنسا

"فرنسا تحبّها لكنّك تغادرها". ما الذي يقوله هذا الكتاب عن "الهجرة الصامتة" للفرنسيين المسلمين أو الفرنسيين من أصول عربية؟

"فرنسا تحبها لكنّك تغادرها"، كتاب صدر نهاية الشهر الفائت، وهو يستوحي العنوان، وإن باتجاه معاكس ومقصود، من مقولة الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون "أميركا تحبّها أو تغادرها".

يسلّط الكتاب الضوء على الهجرة الصامتة لفئة من الفرنسيين؛ المسلمين الفرنسيين أبناء الجيل الثاني أو الثالث لعائلات هاجرت إلى فرنسا، وهم غالبًا من أصول عربية.

هذه الهجرة الجديدة لا تأخذ مساحة كبيرة في النقاش العام. هي هجرة يختارها أصحابها "بألم"، هربًا من العنصرية ضد العرب ومن الإسلاموفوبيا.

في حلقة تلفزيونية، قال القاضي يوسف بدر "قبل ثلاثين أو أربعين سنة، جاء أهلنا إلى فرنسا. عملوا في مهن صعبة ومهمّشة كعمّال مصانع أو عاملات منازل. أسّسوا عائلات وتلقّى أولادهم تعليمهم [هناك]، ولما كبر هؤلاء الأولاد، وصاروا من أصحاب الشهادات الجامعية، واجهوا التمييز ضدهم" في ميادين العمل، أو لجهة القدرة على إيجاد مسكن، أو في محطات أخرى من حياتهم اليومية.

الفئة التي تحدث عنها القاضي المغاربي الأصل، هي بالتحديد موضوع الدراسة التي خرج بها كتاب "فرنسا تحبّها لكنك تغادرها"، وهو عمل بحثي امتد لنحو عامين، وشارك في إعداده ثلاثة باحثين: الكاتبة أليس بيكار، وأوليفيه أستيفاس، الأستاذ في جامعة "ليل" والعضو في مختبر الأبحاث والدراسات الإدارية والسياسية والاجتماعية CERAPS، وجوليان تالبان، الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية في المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS.

انطلق المشروع من دعوة وجّهتها منصة "ميديا بارت" اليسارية المستقلة للإجابة على أسئلة الباحثين، بعدما لاحظوا هجرة أعداد من المسلمين للعمل في الخارج. فشارك فيه نحو ألف مستطلَع، وأجرى معدو الكتاب مقابلات مطوّلة مع 140 شخصًا من المستطلعين.

هذه العيّنة تشكّل منطلقًا للبحث في أطر الهجرة المبنية على الهروب من الإسلاموفوبيا، ومن العنصرية ضد العرب. معدو الكتاب لفتوا في المقدمة إلى أن "معالجة الموضوع بذاته مغامرة أو مخاطرة" في ظل اتهام منتقدي التمييز ضد المسلمين بتمثيل تيار "يساري إسلاموي"، وهي تهم تتردد في وسائل الإعلام وفي خطاب يحمله مسؤولون سياسيون بعضهم كان في الحكومات السابقة.

وقد بيّنت نتائج الاستطلاع أن 71% من المشاركين فيه واجهوا شكلًا من أشكال الإسلاموفوبيا والعنصرية، فيما أشار 63% منهم إلى اضطرارهم للتعامل مع قيود على ممارسة شعائرهم الدينية. وقد برز هذان العاملان كمسبّبين رئيسيّين للهجرة. وفي ظل غياب إحصاءات رسمية صادرة عن مراكز دراسات أو مؤسسات رسمية، يعتبر مؤلفو الكتاب أنهم وضعوا إصبعًا على جرحٍ حاضرٍ ومهم. 

إشكالية الهجرة والانتماء

"كالموت في الروح". بهذه العبارة ــــ المثل الفرنسي ــــ وصف عدد كبير من المستطلعين مشاعرهم حين غادروا فرنسا. التعبير يفصح عن ألم الانفصال عن فرنسا، ويُبيّن الارتباط العضوي لهؤلاء ببلاد كبروا فيها وتعلّموا في مدارسها وتشبّعوا بثقافتها وبمبادئ الجمهورية التي يقوم عليها عقدها الاجتماعي. برغم ذلك، فإن قلّة منهم فقط قد ترغب في العودة. ووفق معدي الكتاب، فإن الإجازات القصيرة التي يقضيها هؤلاء مع عائلاتهم في فرنسا، تذكّرهم بأسباب هجرتهم منها، إذ إنهم يواجهون خلال إقاماتهم القصيرة فيها أشكالًا مختلفة من العنصرية.

وبين المستطلعين أشخاص ذوو توجهات ليبرالية في الاجتماع والاقتصاد، وهم غالبًا من دارسي الاقتصاد، وممّن صوتوا في فترة سابقة لصالح الرئيس السابق إيمانويل ماكرون. لكن حتى هؤلاء لم يسلموا من التمييز. وتُظهر نتائج الاستطلاع أن الهجرة "الصامتة" موضوع الدراسة لا تحدث في اتجاه بلاد ذات غالبية مسلمة فحسب. فالوجهة الرئيسية للمستطلعين هي دول كوزموبوليتية مثل الإمارات، أو غربية مثل بريطانيا وكندا.

يتمّ تظهير الخطاب العنصري بوصفه أداة حرب حضارية بين "النور والظلام"، وفق القراءة التي يوردها الصحافي المخضرم آلان غريش

وتبدو موجة الهجرة هذه متصاعدة، وهي ناجمة من قلق على المستقبل، وفق ما يستعيده شباب مسلمون خلال المقابلات التي أجراها معهم معدو الدراسة، حيث يتكرر سؤال "هل يمكنني أن أبني مسيرتي المهنية في هذه البلاد؟".

وفي ريبورتاج أجرته "ميديا بارت"، تقول شابة فرنسية مسلمة إنها ترغب في الهجرة لأنها لا تريد "العمل لبلاد تمقتني". وقالت أليس بيكار إنها، وزميلَيها، تلقوا بعد صدور الكتاب رسائل من مسلمين فرنسيين يخبرونهم فيها أنهم يحضّرون لرحلة مغادرة فرنسا، وذلك في إشارة إلى تزايد الضغوط عليهم مع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة.

الإسلاموفوبيا وجه العنصرية ضد العرب

"الإسلام لا يُزهر في الحدائق النورماندية"، جملة قالها السياسي اليميني جوردان بارديللا في لقاء تلفزيوني، تنتشر كالنار على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه واحدة من عبارات كثيرة تملأ الفضاء الإعلامي ــــ خصوصًا التلفزيوني منه ــــ في فرنسا.

تعكس العبارة خطابًا منتشرًا في أوساط عدّة من المجتمع الفرنسي. تحدّثت أليس بيكار لمجلة 20Minutes عن سيادة خطاب مفاده أن "هذه الأقلية يجب أن تبقى في مكانها"، والمقصود بـ"مكانها" مساحات الفقر والتهميش والمهن الصعبة ذات المردود المتدني. هكذا، فإن "أبناء هذه الأقلية كلّما صعدوا في السلم الاجتماعي، كانوا أكثر عرضة للتمييز ضدهم".

لا يُقيم الخطاب الإعلامي المهيمن في فرنسا أي تفرقة بين "عرب" و"مسلمين" في فرنسا، وفي ذلك انعكاس للخطاب السياسي والثقافي السائد. وقد زادت الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب بشكل كبير مع صعود اليمين المتطرف، وبعد الهجمات الإرهابية التي شُنت ضد مواقع عدّة في العاصمة باريس وضواحيها عام 2015. وظاهرة العنصرية هذه شجّعتها أحزاب وشخصيات سياسية، مثل مارين لوبان، فصلًا عن سياسات مثل تلك التي انتهجها الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، كما حفّزتها ممارسات أنظمة إسلامية وتركيز الإعلام الفرنسي عليها.

وتتقدم ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا عما هو موجود في دول غربية أخرى، وهذا يرتبط بتاريخ فرنسا نفسها، إذ بنت الأخيرة نظامها العلماني بشكل يتعارض جذريًا مع الكاثوليكية وتداخلها مع مؤسسات الدولة. كما يتعلق بماضي فرنسا الإستعماري، خصوصًا في منطقة المغرب العربي.

ويصعب تحديد مساحة تمدّد الإسلاموفوبيا أو العنصرية ضد العرب في فرنسا. كذلك يصعب تحديد ضحاياها من المسلمين الفرنسيين في مجالات العمل أو الحياة الاجتماعية بشكل حاسم. لكن المشهد يبدو أكثر قتامة إذا ما لاحظنا أن الخطاب المعادي للمسلمين، أو العرب، يتمّ تظهيره بوصفه أداة حرب حضارية بين "النور والظلام"، وفق القراءة التي يوردها في مقابلاته الصحافي المخضرم آلان غريش، رئيس التحرير السابق لمجلة "لو موند ديبلوماتيك". ولعلّ هذا أحد أسباب الإسناد الذي يقدمه الإعلام الفرنسي السائد لإسرائيل في عدوانها المستمر على قطاع غزة.

أما ما يقلق معدّي كتاب "فرنسا تحبها ولكنك تغادرها"، على نحو خاص، فهو تراجع التنوع الذي أثرى إنتاج فرنسا في ميادين شتى، و"هجرة الأدمغة" المرافقة لهذا التراجع، وضيق مساحة النقاش بشكل مطرد، كلما اقترب اليمين المتطرف من الإمساك بمقاليد الحكم.

بؤساء فرنسا الجدد... العشب القاحل للصراع طبقي

على مدى السنوات العشرين الماضية، كان سياق العنف من قبل الجهات الأمنية والاقتصادية يزداد سوءًا ضد فقراء..

بيسان طي
من ذاكرة النساء في مناطق "داعش": آليّات العنف وتراتبيّة المُعنِّفين

وفق الشهادات التي جمعتُها، فإن مراكز العمل في مناطق "داعش" أشبه بعالم الـ"حرملك" الذي  يغذّي فانتازمات..

بيسان طي
الانفجار الكبير: الحدث الأخير في سلسلة القتل البطيء

قُتل المرفأ مرة حين تحوّلت منطقة الكارنتينا من مأمن صحيّ إلى مكان مجزرة طائفية ومناطقية، في سجلّ بدايات..

بيسان طي

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة