عن لحظاتٍ لم تدُم في بيروت، ولم توثّق بعد

عام 2012، أصبح توافد الفنانين التشكيليين والموسيقيين من ورشهم واستديوهاتهم الشاميّة والحلبيّة إلى بيروت مرئيًّا وملموسًا ومُعاشًا. وبدت بيروت، لوهلة، كبيروت الستينيات، بأوهامها وبريقها.

شكّل عام 2012 لحظةً مهمة في المشهد السياسي والثقافي في لبنان. لحظةٌ لم نوثّقها جيّدًا ولم نفكّكها ونفهمها بعد. كان جوّ بيروت غريبًا في ذاك العام. بدت كأنّها ليست عاصمة أو مدينة فحسب، بل ساحةً مجاورةً لمعركة أيضًا، تصلها بعض الشظايا وموجات من الغبار والآمال والقهر. تشبه صالة الوداع في المطار. تشبه الممرّات المظلمة في البيوت.

كانت مقاهي بيروت وصحفها ممتلئة. تضجّ نهارًا بخلافاتٍ جوهرية وآراء متقلبة حول وضع الشام، وليلًا تمتلئ المقاهي والحانات بالموسيقى والسكارى الفارّين من آلام بلادهم الجريحة والمصطدمين بأزمات بيروت اللامتناهية. كانت صحفها تتبارى في الدعوات إلى الاصطفاف. وتطلب من كل مقيمٍ في لبنان موقفًا رسميًا حادًا لا يلبث أن ينقلب إلى موقف آخر مع تدافع الأحداث وتعقيدها.

كانت طرقاتها مكتظّة وأرصفتها أيضًا. الطرق تؤدي إلى كل مكان ولا مكان، والأرصفة يفترشها نازحون آتون للتو من أرض المعارك، ويجول فوقها باعة يحملون بعض المكسرات والكثير من البؤس.

لكنّ فرادة ذاك العام لم تكن محصورة بمكوناته المفجعة مع موجات نزوح الهاربين من الموت في سوريا، بل انطوت أيضًا على لحظة لافتة في مشهد بيروت الثقافي. ففي عام 2012، أصبح توافد الفنانين التشكيليين والموسيقيين من ورشهم واستديوهاتهم الشاميّة والحلبيّة إلى بيروت مرئيًّا وملموسًا ومُعاشًا.

بدت بيروت لوهلة كبيروت الستينيات، بأوهامها وبريقها. واجهة تعرض أعمال هؤلاء الفنانين النازحين وتُبرِزها. هكذا، ظهرت أولى حواضن الورش المستأجرة والاستديوهات المبتكرة في مناطق رأس بيروت والجميزة والأشرفيّة. وعجّت الأحياء بالفنانين وحركتهم، وكذلك بالفعاليات الفنية والغاليريهات التي تكاثرت بسرعةٍ مهولة تماشيًا مع الطلب.

انتهت اللحظة تلك من دون إحداث تراكم يسمح بخلق أعمالٍ طويلة الأمد، وذات تأثيرٍ يغيّرٍ في المنتج الثقافي العام

صحيحٌ أن دافع النزوح لهؤلاء الفنانين لم يكن خيارًا مهنيًا أو فنيًا إلا نادرًا، وأحيانًا كان خيارًا مهنيًا اضطراريًا للنجاة والاستمرار، إذ تمثلت السمة الغالبة لهذا التوافد إلى بيروت بسرعة حصوله وحدّتها، بين ليلةٍ وأخرى، استجابةً للأحداث القاهرة وأثرها المباشر على سلامة الفرد وعلى قدرته على العمل والإنتاج في مجاله.

وقد كان للنزوح، لا شك، أثر كبير في خلق شعورٍ طارئٍ لدى الفنانين هؤلاء، على مستوى اليوميّ المُعاش ومستوى إنتاجهم الفني. وظهر القلق الكبير، المؤقّت حينذاك، في نوع الإنتاج الفني وأسلوبه وكمّه. لكنّه ما لبث أن تجذّر وطبع الكثير من الأعمال الفنية في السنوات اللاحقة.

غير أن بيروت، بساحتها الفنية التي اعتادت الاستمرار طوال سنوات الحرب الأهلية، وخلال الأزمات والانهيارات والاعتداءات وصولًا إلى اليوم، تناولت القلق الوافد حينها، وسلّطت عليه الأضواء كما لو كان موضوعًا لم يتناوله الفن في لبنان في السبعينيات وبعدها. وبرغم أنّ المواضيع الفنيّة التي طرحها الفنانون الوافدون تمحورت حول سوريا ومأساتها، وتضمّنت مشاعر قلق وخوف وأمل في بعض الأحيان، إلّا أن تلك المواضيع كانت في حقيقة الأمر مشتركة مع ما حمله كثير من الفنانين المقيمين في لبنان، سواء كانوا من حملة جنسيته أو أوراق الإقامة المؤقتة فيه.

هكذا، شكّلت الأعمال السوريّة التي عُرضت في بيروت منذ 2012 رافعةً للساحة الفنيّة اللبنانية. وأتاح هذا النزوح الفني مساحةً أثّرت على الذائقة العامة لا شكّ، وساهمت في توسيع مقتنيات المجموعات الفنية وسوق الإنتاج وتنويعهما. ولعبت بيروت دورًا مهمًّا في إطلاق أسماء كثيرة من الفنانين والموسيقيين وترسيخ وجودها.

لكن، كما هو حال كلّ منتج جميلٍ في هذه المدينة، لفظت بيروت سريعًا معظم الفنانين النازحين إليها وجزءًا مهمًا من المقيمين فيها. فبدءًا من سنة 2015 وما تلاها، أصبحت إجراءات الإقامة في بيروت صعبة للكثير منهم، وألقت الأزمات المتتالية في لبنان بثقلها على الساحة الفنية والثقافية عمومًا، وصارت موجات الهجرة الجديدة إلى الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها موازية لانتقال الفعاليات والصالات إلى أماكن ومساحاتٍ جديدة.

قد تكون هجرة الفنانين قد سارت توازيًا مع توالي إقفال صالات العرض، وربما سبقت واحدة الأخرى وسبّبتها. لكن في مطلق الأحوال، انتهت اللحظة تلك من دون إحداث تراكم يسمح بخلق أعمالٍ طويلة الأمد، وذات تأثيرٍ يغيّرٍ في المنتج الثقافي العام بالتالي.

بدت سنة 2012 ومضة في تاريخ بيروت، نشطت فيها الأعمال الفنية بكثافة، وبرزت خلالها أسماء فنانين مضوا من العاصمة نحو وجهاتٍ ثانية خارج البلاد، ولمعوا في أعمالهم التي تلقّفتها مدن أخرى، لا نعلم كم ستستمرّ باحتضانها.  


عالم غزّة الموازي

تشترك أمنيات طفلٍ يُحب أن يلعب بالخردوات ليصنع منها شيئًا، كما يقول، بشروط فصائل كبُر أبناؤها في الحصار...

أريج أبو حرب
مقام صباح فخري: "كنّي وقت راست"!

هذا تفريغ وتحرير لمقاطع من مقابلة حول سفرة عشاء - بالطبع – في بيروت في 2016 و2017 مع موسيقيين حلبيين،..

أريج أبو حرب
حَمَلَة أرشيف بيروت، شهودُ دمارها 

سواء للمقيمين أم المارٍّين، تعمد بيروت دومًا إلى الإعلان عن أنها ليست بيتًا دائمًا لأحد، أو يُحجم ناسُها..

أريج أبو حرب

اقرأ/ي أيضاً لنفس الكاتب/ة