"الخلافات الجهادية": أقدم من "داعش".. وأبقى؟

قبل "داعش"، عرف التاريخ المعاصر عددًا من "الخلفاء"، لم تُتح لأحدهم المقومات التي أتيحت للبغدادي. وكان ثلاثة من أولئك "الخلفاء" أتراكًا، ومقرّ "خلافتهم" في ألمانيا. فمن هم هؤلاء "الخلفاء"؟

في أواخر حزيران من العام 2014، "فوجئ" العالم بالمتحدث السابق لتنظيم "الدولة الإسلامية" أبو محمد العدناني يعلن "قيام الخلافة الإسلامية"، واختيار أبو بكر البغدادي "خليفة للمسلمين في كل مكان". لكن؛ هل كان ذلك الحدث مفاجئًا بالفعل؟ لا يتعلق التساؤل بأن التنظيم كان قد حصّل من القوّة والسيطرة ما ينفي عنصر المفاجأة عن خطوة "الخلافة"، بل يرتبط بصورة أساسية بأن "حلم الخلافة" ظل باستمرار "غاية الغايات" لسائر الجماعات والتنظيمات الإسلامية منذ عشرينيات القرن الماضي، ما جعل إعلان العدناني أشبه بأمر بديهي الحصول بغض النظر عن هوية التنظيم، أو "الخليفة". والأرجح أن أي تنظيم "جهادي" امتلك المعطيات التي امتلكها "داعش" كان ليُقدم على خطوة مماثلة. بل إن الأمر حصل بالفعل مرات عديدة قبل إعلان العدناني ومن دون توافر السطوة التي امتلكها "داعش"، وهو على الأرجح مرشّح للحدوث أيضًا وأيضًا، ما دامت العوامل والأسباب باقية. لقد كانت قصة صعود واندحار "داعش" أشبه بـ"قصة موت معلن"، يعرف الجميع بدايتها وخاتمتها، ويقتصر الغموض فيها على المجريات والحيثيات.

"خلفاء" معاصرون

قبل "داعش"، عرف التاريخ المعاصر عددًا من "الخلفاء"، لم تُتح لأحدهم المقومات التي أتيحت للبغدادي. وكان ثلاثة من أولئك "الخلفاء" أتراكًا، ومقرّ "خلافتهم" في ألمانيا، وهم تباعًا: كمال الدين قبلان (1926- 1995م) تلقى علوم الإسلام، واللغة العربية من أبيه، وتخرج في كلية العلوم في أنقرة العام 1966. بين العامين 1966 و981، كان مفتيًا لأضنة ثم استقال ليتفرغ للتعاون مع زعيم حزب "السلامة الوطني" نجم الدين أربكان. في العام 1983، زار طهران بدعوة من روح الله الخميني، ويقول بعض أتباعه إن تلك الزيارة أحدثت منعطفًا في حياته. سرعان ما انفصل عن أربكان، وراح يطالب بدولة إسلامية في تركيا. سُحبت منه جنسية بلاده عام 1984. وفي العام 1985، حصل على حق اللجوء في ألمانيا. عام 1987 أعلن تأسيس "دولة الأناضول الإسلامية الفيدرالية"، ونصّب نفسه خليفة عليها، وأعلن افتتاح أول "سفارة" لها في برلين. عام 1994 أعلن قيام "دولة الخلافة" من أحد مساجد مدينة كولونيا الألمانية، وتولى "الخلافة على المسلمين جميعًا" حتى وفاته عام 1995. بعدها، وزع أنصاره بيانًا بتوقيع "مجلس شورى دولة الخلافة" فيه أنه "من غير الجائز بقاء المسلمين دون خليفة ولو لساعة واحدة. لذا اخترنا متين مفتي أوغلو لمقام الخلافة". متين قبلان. لُقب بـ"خليفة كولونيا"، وكان بدوره لاجئًا سياسيًا في ألمانيا منذ العام 1983. عام 1998، اتهمته أنقرة بتدبير تفجيرات ضد ضريح مصطفى كمال أتاتورك، وطالبت ألمانيا بتسليمه. سُجن متين أربعة أعوام في ألمانيا (1999–2003) بعد إدانته بالتحريض على قتل "خليفة" منافس، هو خليل صوفو. وفي أواخر العام 2001 حظرت الحكومة الألمانية منظمة "دولة الخلافة" ثم سلمته إلى تركيا في العام 2004، ليحكم عليه في العام 2005 بالسجن المؤبد. خليل صوفو. بعد وفاة "الخليفة" الأول كمال الدين قبلان، حصل خلاف بين "الخليفة" الثاني متين وأحد مساعدي والده الراحل، هو الدكتور خليل صوفو الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لكن مجهولين اقتحموا شقته في برلين وأطلقوا عليه الرصاص أمام عائلته زوجته وأبنائه الثلاثة في العام 1996. أُدين “الخليفة” متين بإصدار فتوى تحث على قتل صوفو، وقضت محكمة دوسلدورف العليا بسجنه لمدة 4 سنوات.

آخر "الخلفاء" قبل "داعش"

لسنوات طويلة، احتفظ أبو عيسى الرفاعي بلقب "الخليفة" من مقر إقامته في بريطانيا، وأوفد من يمثله في سوريا! اسمه محمد علي عيسى موسى أحمد الرفاعي، وهو فلسطيني أردني. بدأ نشاطه مع جماعة "الإخوان المسلمين" في مدينة الزرقاء. درس في كلية الحديث في الجامعة الإسلامية (المدينة المنورة) في السعودية، لكنه لم يكمل دراسته، والتحق بدلًا من ذلك بكلية العلاج الطبيعي في جامعة محمد جناح في باكستان. ثم نشط في الترويج للجهاد في أفغانستان. كان الرفاعي ساعيًا إلى تحقيق فكرة الخلافة بغض النظر عن شخص الخليفة. يروي الرفاعي في تسجيل مصور أنه طرح الفكرة على الرئيس العراقي السابق صدام حسين إبان غزو الكويت. يقول: "دخلت القوات العراقية إلى الكويت.. وفي هذه الأثناء بدأت لنا نشاطات لكي نجهز الشباب للجهاد في سبيل الله.. فعندما دخل صدام وجاء الأميركان عملنا مظاهرات، وأرسلت لصدام حسين خطابًا أن أعلنها خلافة إسلامية لينضوي تحتها الجميع إلا أنه لم يفعل". لاحقًا، سعى الرفاعي ومجموعة معه إلى إقناع "خليفة" كان موجودًا في منطقة نورستان الأفغانية، هو الباكستاني محمد أفضل. حاول الرفاعي ومجموعته إقناع أفضل بعقد البيعة له، لكنّ أفضل رفض وأكد أنه "خليفة لمنطقة نورستان فقط". لم يجد الرفاعي حلًا سوى إعلان نفسه خليفة، ثم انتقل للعيش في لندن التي اعتُقل فيها عام 2006 لمخالفته قوانين الهجرة، ثم أطلق سراحه. كان للرفاعي أنصار ومريدون، وأرسل مبعوثين إلى سوريا أسّسوا باسمه مجموعة "جند الخلافة"، وقد وجه رسالة إلى أبو بكر البغدادي عام 2013 يدعوه فيها إلى مبايعته. أما اللافت، فأن البغدادي لم يُعلن نفسه "خليفة" إلا بعد وفاة الرفاعي في بريطانيا بأربعة أشهر.

* من ملف “الخلافة: حصادٌ واحدٌ وزُرّاع كُثُر”


الإمبراطور المؤدلج.. رأسه أو الحرب

على الأغلب أن الأميركيين هم خلف حملة تحريض النخبة الصينية وبث الخوف لدى الرئيس الصيني "شي"، ليتجه نحو..

حسام مطر
في موازنة 2023 السوريّة: نظام ضريبي للأثرياء

أدى دعم دخل رأس المال والاعتماد على ضرائب الاستهلاك غير المباشرة إلى خلق نظام ضريبي تنازلي بشكل متزايد..

رشا سيروب
الصين والغرب: دوافع الصراع

كيف يمكن تفسير مقاربة بكين للعلاقة بالجوار الصيني، الذي ينتقل سريعًا إلى التحالف مع الولايات المتحدة..

محمد صالح الفتيح

اقرأ/ي أيضاً